تقارير

الانفلات الأمني .. محاولة ترويع أم خروج عن السيطرة؟

تقرير – القسم السياسي

تفاجأ الأستاذ بجامعة أفريقيا، محمد عثمان، بعد عودته عند الثانية ظهراً بتوقيفه من قبل (3) مسلحين بشارع الستين، ادعوا انتمائهم للمباحث واتهموه بتجارة المخدرات، قبل أن يقتادوه إلى حي الراقي، حيث كانت هناك سيارة لاندكروزر تنتظهرهم قاموا بسحبه داخلها وهو محاصر وسط المجموعة المسلحة، ليبدأوا في ضربه مما تسبب في تكسير نظارته ونزف جبهته، لتتوقف السيارة في سوبا في منطقة خالية من السكان، ومساومته لدفع (2) مليون جنيه، إلا أنه أخبرهم أنه أستاذ ولا يمتلك هذا المبلغ، قبل أن تتم مصادرة راتبه والأموال التي بحوزته، وأطلق سراحه وهو يعاني من الألم الجسدي والنفسي.

طوارئ وجرائم

فيديو.. نهب وترويع للمواطنين وحصب السيارات العابرة بالحجارة في شارع الشهيد محمد هاشم مطر..

الحادثة السابقة تجسد مشهداً من مسلسل الانفلات الأمني الذي تشهده العاصمة الخرطوم التي شهدت ارتفاع وتيرة عمليات النهب والسرقة تحت تهديد السلاح، بالرغم من إعلان السلطات لحالة الطوارئ والتي تشهد في العادة انخفاض معدلات الجرائم.

في المقابل اعتبر عدد من المواطنين الأمن مسؤولية شخصية، فحملوا السلاح وتصدوا بحسب مقاطع فيديو لعنف تلك العصابات بشكل جعل الجميع ينتقل لمربع قانون القوة، ووضع الدولة بشكلها الوظيفي على حافة الانهيار.

الصحفي المختص بالقضايا الأمنية، خالد فتحي، يشير في حديثه لـ (الديمقراطي) إلى أن تصاعد الانفلات الأمني يمثل مؤشراً على أن الدولة تخلت عن واجبها في حفظ الأمن، مضيفاً: “الأخطر أن هناك عناصر تنتمي لهذه العصابات، تمارس جرائمها مرتدية زي الشرطة، ومع ذلك لا تحرك ساكناً، وبالتالي تصبح شريكة في هذه القضايا بالصمت والتواطؤ”.

غير أن الصحفي والمحلل ماهر أبوالجوخ يرى في حديثه لـ (الديمقراطي)، أن السيولة الأمنية الحالية لا تعتبر أمراً متعمداً من الانقلابيين بقدر ما أنها تمثل انفلاتاً وتحللاً لمؤسسات الدولة وغياباً للخدمات، بعد أن فقد النظام الانقلابي السيطرة على مجريات الأوضاع. مضيفاً: “فشل الانقلاب في حل الأزمات التي صنعها بيده، وما يعزز هذا الأمر هو إقرار قادة الانقلاب بالفشل”.

مقاربة الشموليين

تقوم مقاربة الشموليين في العادة على فرضية توفير الاستقرار الأمني والاقتصادي مقابل مصادرة الحريات، إلا أن التجربة العملية أشارت إلى أن الأنظمة الشمولية وآخرها نظام البشير، بدأت بمصادرة الحق في الحياة، ولم توفر في آخر أيامها الخبز والوقود بل حتى أموال الناس في المصارف.

أبوالجوخ يقول إن الانفلات الأمني ظاهرة مصنوعة وامتداد لخطط استخدمها النظام المباد بشكل غير معلن إبان أحداث مصرع زعيم الحركة الشعبية جون قرنق و(هبة) سبتمبر 2013م. ويواصل أبوالجوخ أن ذات النهج تواصل بعد الثورة، مشيراً لخلق السيولة الأمنية في منطقة كولومبيا بشارع النيل لتبرير فض الاعتصام تحت ذريعة استعادة الأمن ووقف التفلتات الأمنية.

ويلفت أبوالجوخ إلى أن الفترة الانتقالية شهدت استخدام مسألة السيولة الأمنية بشكل منهجي لإظهار ضعف السلطة المدنية، كما حدث في احتفالات رأس السنة 2020م بعد أقل من ثلاثة أشهر من تسلم الحكومة المدنية لمهامها، مما تسبب في إقالة مدير الشرطة وتعيين عزالدين الشيخ الذي عمل للتصدي لهذه الظواهر، إلا أن المعضلة الحقيقية في تصادمه مع جهات داخل مؤسسات الدولة النظامية تعمدت خلق هذا الوضع ضمن مخططها لتهيئة الأوضاع للانقلاب.

يضيف أن السيولة الأمنية باتت مصحوبة بحملة إعلامية ممنهجة من مؤسسات وأشخاص عن انهيار الوضع الأمني، توقفت بعد الانقلاب بالرغم من تردي الأوضاع بشكل أكبر.

حالة التفلت الأمني التي بدأت قبل الانقلاب انخفضت بشكل كبير بعد استيلاء قائد الجيش بشكل كامل على السلطة، إلا أنها عادت لتبرز بشكل أقوى مع استمرار حركة الاحتجاجات الرافضة للانقلاب للشهر السادس على التوالي.

يقول فتحي إن حالة الانفلات الأمني تكرس لسيناريو (الفوضى والإرهاب)، ويضيف: “هذا السيناريو مقتبس من التجربة المصرية بعد هجوم الثوار على جهاز أمن الدولة لتعقبه حالة من التراخي من قبل الشرطة والأجهزة الأمنية لتقوم العصابات (البلطجية) بترويع المدنيين”.

الخبير الأمني المقدم شرطة م. محمد عبدالله الصائغ يقول لـ (الديمقراطي)، إن قوات الشرطة لديها المعرفة والقدرة لوقف هذه السيولة الأمنية. مضيفاً: “ما من شك في أن الفراغ الأمني ممنهج ومقصود لهدفين: الأول يتعلق بترويع الناس وكسر مقاومتهم للانقلاب، والثاني لجر الناس لاستخدام العنف لإيجاد مبرر لعنف أكبر، وكسر قيود الثورة السلمية التي كبلت الانقلاب”.

وليس بعيداً عما سبق يعود فتحي ويقول إن هذه الأحداث ليست عصية على السيطرة، وينبغي أن تتصدى لها الشرطة في المقام الأول لأنه واجبها. مضيفا: “تشجيع المواطنين على اعتبار الأمن مسؤولية فردية أو شخصية أمر بالغ الخطورة لأن المواطن العادي غير مدرب على التعامل مع مثل هؤلاء الأفراد الخطيرين ويمكن أن يفقد حياته جراء ذلك”.

خلفية الانفلات

وقبل (3) أشهر من انقلاب 25 أكتوبر تزايدت عمليات النهب مصحوبة بحملات على السوشيال ميديا تنتقد وتندد بأداء الحكومة الانتقالية، وتهيئ الشروط المواتية للثورة المضادة عبر خلق انفلات أمني ووضع الجماهير أمام خيارٍ مرٍّ وحيد، الأمن أولى من الثورة.

الخبير الأمني الصائغ يقول إن الفجوة الأمنية تخلقت قبل الانقلاب بعد سيطرة المجلس العسكري على المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الشرطة وعرقلة إنشاء جهاز الأمن الداخلي الذي يتبع لوزارة الداخلية. مضيفاً: “خالف العسكر المنطق الثوري السائد وسيطروا على تعيينات وزراء الداخلية ومدراء وقيادات الشرطة خلال العامين الماضيين من عمر الانتقال”.

وأشار الصائغ إلى أن العسكر حالوا دون إعادة بناء شرطة ذات طابع مدني ديمقراطي لتأمين عملية الانتقال، فتركت كما وجدت في عهد نظام المخلوع.

ويشير خالد فتحي إلى أن مسؤولية رئيس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك فيما يلي ضبط الأمن ترتبط بتأخير تشكيل جهاز الأمن الداخلي لنحو عامين، لافتاً إلى أن تأمين الثورة ظل رهيناً لأجهزة النظام السابق، وهو ما سهل مهمة الانقلاب على عملية التحول الديمقراطي.

ويؤكد الصائغ أن إصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية شرط أساسي لنجاح الانتقال عبر توفير الأمن وتعزيز سيادة حكم القانون، عبر جملة من الترتيبات تتضمن تكوين جيش نظامي موحد يحترم الدستور وهيكلة وزارة الداخلية بيد الخبراء والعائدين للخدمة، وتكوين جهاز الأمن الداخلي وفقاً لما هو متبع في الدول الديمقراطية.

وليس بعيداً عما سبق يقول أبوالجوخ إن تميمة السر للقضاء علي هذا الأمر هو سيادة حكم القانون وتطبيقه من قبل أجهزة الدولة النظامية والأمنية بشكل احترافي ومهني، وهذا يعني خروجها من ميدان العمل السياسي كمؤسسات وأفراد وخضوعها لسلطة ورقابة المؤسسات الدستورية التشريعية والتنفيذية، لافتاً إلى أن هذا غير ممكن إلا بإسقاط الانقلاب واستعادة الانتقال الديمقراطي.

ويحذر أبوالجوخ من استمرار تنامي تفكك الدولة وضعفها بسبب الانقلاب، مما سيجعل تلك العصابات الإجرامية تزداد سلطة لتظهر دولة أمراء الحرب والعصابات على حساب سلطة الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى