الرأي

الإعلام الانتقالي – معضلات التحرر ومعركة التحرير 7

الهيمنة الإعلامية بإطلاق ثقافة النشاط الهدام المضادة

د. وجدي كامل
عادة ما تنزع الأنظمة السياسية لبسط سيطرتها على الرأي العام لاحتواء المجتمعات إعلامياً بتسويق مفاهيمها الثقافية ونموذجها المنجز، المختارة بعناية انسجاماً مع أهدافها في الحكم.
الإنقاذ، وبعد بضع سنوات، وعندما آلت قيادة إعلامها لجهاز الأمن والمخابرات لم يكن بحوزة حزبها المؤتمر الوطني أو حتى جهاز الأمن نموذجاً ثقافياً يبنى على قياساته ومحتوياته سياساته، ولكن مع ضرورات التضييق وتأمين النظام السياسي بواسطة العنف كاستراتيجية كذلك لتفكيك الدولة قد تمكن من الترويج لسياسة ثقافية أمنوقراطية قاهرة للحريات، ومنها حرية التعبير في مجالات الكتابة والغناء والتصوير، بأن تم سحق المؤسسات الثقافية وقادة الرأي من المثقفين والمفكرين وأصحاب الآراء السياسية النقدية المعارضة، سواء بدفعهم للصمت أو الهجرة إلى خارج أسوار البلاد أو التضييق على مؤسساتهم في المقاومة الثقافية (مثال التضييق على منتدى شروق بالقضارف، وبيت الفنون بالخرطوم، وعبد الكريم ميرغني، وهدم مركز مالك في الدمازين بالمدفعية، وإغلاق مركز الدراسات السودانية عند عودته من القاهرة).
أيضاً، اتخذ الجهاز رقابة لصيقة ومراقبة للوارد من الكتب والمؤلفات القادمة من الخارج بالتحكم على عملية دخولها من المطار والموانئ والمعابر الحدودية، والطرق البرية. استطاع مجلس إعلام جهاز الأمن والمخابرات بسط سيطرته على الإعلام الخارجي بعدم منح أذونات التصوير إلا بعد تفتيش ذمته والتأكد من انتمائه وموالاته سياسياً وعدم تعرضه لنقد النظام سواء أكانوا أفراداً أو مؤسسات إعلامية أجنبية. وتحكم الجهاز في محتوى الإصدارات المطبوعة عن طريق مجلس الصحافة والمطبوعات، كما (هيئة مراجعة الكتاب) التي وبدون الحصول على موافقتها أو وضع الختم برقم متسلسل لن يسمح بتوزيع الكتب والمؤلفات.
وفي إطار خلق الصورة الذهنية الإعلامية فقد شجع الجهاز ظهور الشخصيات ضعيفة السيرة العلمية والأخلاقية من فاقدي الإسهام الوطني النوعي من: التجار، والسماسرة، والمغنيين، والمغنيات، والممثلين، والممثلات. واستطاعت شخصيات بعينها، تتهم بنيل الرتب العسكرية بالجهاز، من التسيد على الإدارة التجارية، وبالطبع السياسية للأنشطة: المسرحية، والموسيقية، والغنائية، والصحفية. ولعب الجهاز دوراً ملموساً بالتغذية المالية لاستمالة الفرق والمغنيين، وفتح الباب كمثال لفرق تتخصص في تقديم النكات التي تنال من النسيج الاجتماعي والثقافي بالإساءة إلى القبائل والإثنيات والجيران من الأفارقة المحيطين بالحدود، واستطاعت أقلام مسمومة من الصحفيين والصحفيات من غير ذوي التأهيل الأكاديمي أو التدريبي تصدر المشهد الإعلامي ورئاسة تحرير الصحف برضا وموافقة الجهاز مقابل رفض الصعود الإداري لعدد كبير من الإعلاميين المهنيين المستقلين أو غير المؤيدين لسياسات المؤتمر الوطني والإنقاذ.
لقد أصبح من العسير التوفر على تجمع إعلامي رسمي أو خاص خالٍ من عيون الجهاز ومجنديه من العسكريين أو المدنيين، وهكذا اختص النشاط الهدام للجهاز في المنع والمقاومة لفكر وثقافة الاستنارة والديمقراطية لمجرد الرغبة في تأمين وبقاء النظام بتسهيل وتشجيع الترويج لفكر الجماعات الإسلامية المتشددة، والتأثير بالبرامج الدينية الضالعة في خلق مفاهيم إسلامية مضادة تتخذ من الشيوخ الدينيين للمؤتمر الوطني وأساتذة جامعيين تم تصنيعهم بدافع تشكيل القضب السياسي الموازي للأساتذة المعارضين غير المواليين من مؤسسات تعليمية راسخة، فتم تفريخ العشرات من الأساتذة من حملة الشهادات غير المحقق من سلامة أطروحاتها علمياً، لتغرق مشهد التعليم العالي في ذات الوقت الذي توسعت فيه حركة الإنشاء لمؤسسات تعليمية جديدة دون ضوابط متفق عليها أكاديمياً أو تأكد من سيرة مؤسسيها الذين غلبت عليهم النوايا والأهداف التجارية، مما ساهم في تصدير ثقافة البؤس المعرفي والانحطاط المفاهيمي العلمي.
في هذا التوجه التخريبي لوظيفة التعليم العالي والعلم والعلماء، لا بد من لفت النظر إلى أن المساجد المسيسة بمؤذنيها وخطبائها المعينين من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف شكلت أهم الحواضن التعليمية والإعلامية. فالخطباء، وعبر الخطب الروتينية، شكلوا في الغالب الأعظم تياراً ثقافياً سياسياً مؤثراً يأخذ بالناس إلى مآخذ التهييج وإنتاج الغوغاء والقطيع الموالي للسياسات الرسمية والأمنية، خاصة في ظروف الأزمات السياسية مثل الحروب الأهلية بواقعاتها العديدة، والمواجهات الحكومية معها.
المسجد بوصفه مكاناً خاصاً بالعبادة غدا مكاناً لمراقبة المصلين والتمييز بين الناس في الأحياء على أساس الصلاة والتردد عليه. وبالنظر إلى خطط الهيمنة الأمنوقراطية سنجد أن جهاز الأمن والمخابرات، بالإضافة لتأسيسه إدارة الإعلام المختصة سخر الأموال الضخمة لمكافحة الصعود الثقافي عن طريق الرموز المتعددين بوعي عميق للدور الخاص الذي تلعبه الثقافة الفنية والأدبية، وتضطلع به في تغذية وتنمية الوعي العام بمخازي النظام.
في هذا الخضم من العنف واتباع منهج الهدم، تبنت السياسات الإعلامية الأمنوقراطية أساليب أشد غلظة لإعاقة المبدعين والتخلص منهم. ويتهم الرأي العام الجهاز بالضلوع في إعاقة مساهمة العديد من: الفنانين المسرحيين والسينمائيين، والشعراء، والشخصيات العامة العلمية والاجتماعية، بالاختفاء القسري أو الإجبار على مغادرة البلاد عن طريق التضييق عليهم كما أسلفنا من قبل، أو الضلوع في قتل بعضهم.
(تعرضت الكثير من الفرق الموسيقية والفنانين في شتى الحقول الفنية لعمليات مستمرة من: الاستجواب، والاعتقال، والتعذيب، وفقد السودان على أيام الانقاذ وتوحش آلتها الأمنية الملايين من أبنائه وبناته من الكفاءات في شتى المجالات، ومنهم أعداد معتبرة من: الموسيقيين، والمغنيين، والسينمائيين، والمسرحيين، والشعراء الذين فضلوا اللجوء السياسي بأميركا وكندا وبلدان غرب أوروبا وأستراليا، كما دول المهجر الخليجي والعربي والأفريقي.
وفي سياق القتلى والمفقودين، يشير الرأي العام بأصابع الاتهام للجهاز في دور نوعي لعبه في اختفاء الشاعر أبي ذر الغفاري، ومقتل المغني خوجلي عثمان).
في سياق مناقشته للعوامل المؤثرة في الاتصالات الثقافية، يكتب هربرت شيلر:
“بيد أن عاملاً آخر شائك يؤثر بوجه خاص على مجالات الاتصالات الثقافية في النظام العالمي. فالناتج الإعلامي الثقافي تحدده بقدر كبير، إن لم يكن كلية، ضرورات السوق ذاتها التي تحكم ما ينتجه النظام الشامل من سلع وخدمات.
في حين أنه كما نعلم جيداً، فإن الناتج الثقافي الإعلامي لا يمثل الوحدات المتعارف عليها من السلع الاستهلاكية الشخصية فحسب، وإنما يجسد أيضاً الملامح الأيديولوجية للاقتصاد الرأسمالي العالمي، ويستخدم بصورة جد ناجحة في تعزيز وتطوير الدعم الشعبي لقيم النظام أو لما يصنعه، على أقل تقدير”. 15
لا يمكن النظر وتحليل هيمنة الأمنوقراطية على الإعلام بمعزل عن التمدد الاقتصادي الذي حققه جهاز الأمن والمخابرات في الاقتصاد الكلي، بأن أصبح قوة اقتصادية تتشكل من حزمة هائلة من الشركات التجارية والأملاك العقارية ومصانع الإنتاج الصغير، مما أدى إلى مزاحمة اقتصاد الجهاز لاقتصاد القوات المسلحة والشرطة باعتمادهم جميعاً على سياسة التجنيب المالي وبقائه خارج سلطة وزارة المالية، مما ساعد الاقتصاد الأمني على إنشاء إدارة عامة للاستثمار تتدخل وتتغلغل في سائر أنواع التجارة، بما فيها تجارة الاستيراد للسلع الاستراتيجية كالبترول والقمح وغيرها.
وبمقاربة مع ما ذكره شيلر عن العوامل المؤثرة في عملية الاتصالات الثقافية، نجد ثمة علاقة بين قيم عمل الاقتصاد الإعلامي العالمي وبين اقتصاد إعلام الأمنوقراطية الإنقاذي. إن اكتمال هوية الاقتصاد الأمنوقراطي فتح شهيته للسيطرة على العملية الإعلامية ليس للإعلان والترويج عن نفسه كجهاز، ولكن لإلهاء الآخر وإغراقه في منتجات الإعلام الترفيهي أحياناً والإعلام المتستر بالدعوية الدينية.
ومثله مثل أي إعلام شمولي احتكاري، كان لا بد للإعلام الأمنوقراطي تبني صناعة صور ذهنية نمطية عبر وسائل البث وتدفق الصور التلفزيونية لتأييد رأسماليته النازعة والمنتظمة في تزوير صورة الواقع وتغذية الشاشات التلفزيونية بدعايات شركاته ومستورداته ومؤسساته البنكية والمالية، كأسلوب لتوزيع رأس المال وتدويره داخل اقتصاد إعلامي تحت سيطرته.
وإذا ما نظرنا إلى منتج الصحفي في العشرية الثانية والثالثة للإنقاذ، لا نلاحظ إحكام السيطرة الأمنوقراطية على المواد المنشورة والإصدارات الصحفية فقط، ولكن اكتمال السيطرة على سوق الإعلان عبر وسطاء مواليين وجهاز خدمة مدني يستجيب لطاعة وهندسة المجال الإعلامي.
ولأن الأيديولوجية الإسلاموسياسية ليست لها خصومة مبدئية أو جذرية مع النيوليبرالية، إن لم تكن حليفاً خاصاً لها، فقد شجعت السياسات الأمنوقراطية الإعلامية على خلق التنميط الشكلي (المشروط حسب بيئة المادة الإعلامية) على وسائل الإعلام المرئية بإظهار الرجال بهيئات ملبسية متشابهة بأدواتها الضرورية، مثل: لبس الجلباب ومعه الشال المزركش، واعتمار العمامة المقاربة في هيئتها لعمامة الأعراب البدو، مع كرش مستديرة وبارزة، وذقن غير حليقة أو مهذبة، وعلامة صلاة على الجباه للدرجة التي اتفقت عليها أعمال الكاراكاتيرين بتنميط رسمهم بالاعتماد على علاقات جمالية شكلية ثابتة لشخصية (الكوز) دون عائق يقطع على المتلقي فهم من تكون الشخصية.
أما النساء، فبتن يظهرن في وسائل الإعلام المرئي بكامل فتنتهن باستعمال لافت لمواد التجميل المحلية مثل: الحناء، والدخان، والثياب الشفافة الفاقعة الساخنة ذات الألوان غير المتسقة مع الظرف الوقتي كالصباح أو النهار أو الليل. من الطبيعي، تشاهد مذيعة أو ضيفة في الصباح بلون أزرق، وفي النهار بلون أحمر أو أخضر، وفي الأوقات الليلية بلون أبيض.
نزعت الذائقة في متاهتها المتناهية إلى تنميط اللغة الإعلامية والاجتماعية بناء على نموذجهم، بنحو أصبحت فيه البسملة وعبارات مثل: “جزاك الله كل خير”، وكلمات مثل: “أحسب”، و”أزعم”، و”اصطحاب”، و”حقيقةً”، بمثابة العادة الاستهلاكية اللغوية أكثر من الانتباه إلى معانيها ومحتوياتها.
وهكذا أصبح الإعلام الأمنوقراطي متجراً لبيع الأفكار والأذواق لكسب معركة عقول المجتمعات السودانية وأذواقها، بحمولات ثقافية تتصل بالإسلام الشكلي والحداثة التجارية بنحو عميق وطاغٍ بات متغلغلاً في أخص تفاصيل السلوك السوداني، مما مكن الإعلام من أن يصبح قوة ناعمة بالفعل لتغيير البنى المفاهيمية للناس ودمجهم في سوق الأفكار الزائفة عن هوياتهم الجديدة المصنوعة.
كل ما سبق من شأنه تأكيد التحاق السياسة الإعلامية بالدولة ذات الرعاية الأمنوقراطية المنظمة، بما يخدم وظيفة وخدمة دولة الاقتصاد الريعي الكليبتوقراطي، تأكيداً على عمق أغراضه البنيوية، ليس فقط في تثبيت بنية الحكم السابق وجهازه السياسي، بل في الدفاع عن مصالح قياداته وأفراده وامتيازاتهم المهولة المطلقة، وبحيث أصبح من الممكن تعريف أن الإنقاذ وفي التجريد الأقصى لماهيتها هي جهاز الأمن والمخابرات الذي حمى وكرس لتلك السياسات، فاصبح لكل مسؤول وحدة إعلامية خاصة به، ولكل رأسمالي فرقته الإعلامية المدافعة عن مصالحة.
وفي غضون ذلك، انتشرت ظاهرة السمسرة الإعلامية أو الأشخاص الخارجين لجني المال والأرباح نظير التعلق والاتصال بمصالح الأقوياء. بل برزت ظاهرة من أسوأ ظواهر الأداء الصحفي، عندما تم إيجار الكتاب الصحفيين المحترفين وتخصيص أجور شهرية لهم من قبل المسؤولين، نظير القيام بتلميعهم وتصميم ما يعرف بحملات التسويق لهم. وتصعد الظاهرة إلى أقصى مدى عندما انتبه كبار الفاسدين في النظام السابق لأهمية الصحافة بنحو مفاجئ تحت ضغط النقد المثار عليهم، فعملوا على تأسيس الصحف وامتلاكها (مأمون حميدة – صديق ودعة، كمثال).
إلا أنه وبقراءة ملكيات الصحف والإعلام، سنعثر على أن الملكية المطلقة كانت لرجال أعمال يشتبه في وجود علاقة لهم بجهاز الأمن. لم يكن الجهاز هو الفصيل المسلح الخاص مطلق الصلاحيات، والأوفر مالاً ورجالاً وأدوات مهنية لقمع الشعب فقط، لكنه الأوفر حظاً لوراثة الدولة. (وهذا تكشفت عنه ملابسات التغيير السياسي القادم والعنف الذي واجه به الثوار والثائرات، ثم ارتخاء عضلاته المفاجئ بفهم تولي رئيسه لدولة ما بعد الثورة. لقد كان الجهاز فوق الحزب وفوق الحكومة، وهو اللاعب المسيطر الحقيقي على خارطة أدائهما والتأثير على قراراتهما وحركتهما بالطرق الخشنة والناعمة، وفق تكتيكات عديدة عملت على تسيير دولاب الدولة).
النظر هنا يجب أن يطال وضعية السلطات الممنوحة لرجالات الأمن والتفويضات الخاصة بهم، وفق قداسة وحصانة تضعهم فوق المجتمع وفوق القانون أحياناً لما ارتكبوه من جرائم جنائية واقتصادية وعمل دؤوب في ضرب النسيج الاجتماعي السوداني وضرب الوحدة الوطنية. وليس المهم هنا لفت النظر للأنشطة الوحشية القاسية التي قام بها أفراد الجهاز من تنكيل واعتداء أثيم وبطش وفساد، ولكن اشتراكهم ومشاركتهم كإعلاميين ضمن المجتمع الإعلامي.
لقد كان من المفارقة بمكان أن يكون مدير مجلس الإعلام الأمني المسؤول عن الرقابة الإعلامية هو نفسه أحد الكتاب الصحفيين في الصحيفة التي يتم سحبها أو إلغاء صدورها، وه ما كان يفعله اللواء معاش محمد حامد تبيدي، واللواء معاش الشاذلي المادح، كمسؤولين عن إدارة الإعلام الأمني.
ليس ذلك فقط ما سجله جهاز الأمن من حضور، ولكن في مشاركة عدد لا حصر له من الإعلاميين من عضوية الأمن الشعبي وهياكله التنظيمية في تسيير دفة الإعلام الحكومي والتمكيني، نيل عدد من القيادات الصحفية لرتب قيادية بالجهاز ولايزالون طلقاء، لم يتم إيقاف غالبيتهم حتى الآن من الكتابة أو العمل. ولم يكن من المستغرب أن يطلع الناس على ضلوع أحد الكتاب الصحفيين في جريمة قتل الشهيد محجوب التاج محجوب، عندما ظهر ضمن المتهمين في قفص الاتهام.
– 18- هربرت شيلر- الاتصال والهيمنة الثقافية- ترجمة وجيه سمعان عبد المسيح – القاهرة – الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2007 – ص
يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى