استنارة

الإسلام السیاسي والقیم الحدیثة: الحركات السلفیّة مثالا للتحليل

(قراءة سوسیولوجیة في الحدود والتناقضات)

  ماجد قروي*
الملخّص:
نروم في هذا المقال، إلقاء الضوء على مسألة على درجة عالیة من التأشكل، ألا وهي علاقة الإسلام السیاسي بالقیم الحدیثة. ولئن انقسم الإسلام السیاسي إلى تیّارات عدّة، فإنّنا خیّرنا اتخاذ الحركات السلفیة مثالا للتحلیل؛ لأنّ مواقفها أكثر تطرّفا في هذه الناحیة، والقراءة السوسیولوجیة تمثل مدخلا لفهم خفایا الموضوع؛ لأنّ موقف السلفیین من القیم الحدیثة لا یعود إلى اقتضاءات داخليّة فرضها النصّ الدیني، بل فرضتها رغبة السلفیین في البحث عن موقع صلب المنظومة الاجتماعیة، انطلاقا من استراتیجیات هادفة تتمترس وراء النص لصوغ دور جدید تستعاد فیه الفعالیة بعد أن تحطمت الأطر التقلیدیة ومؤسسات التنشئة الاجتماعیة بفعل تجربة التحدیث الأولى، والتي لطالما مثّلت مرجعیات للمعنى وموجها للفعل الاجتماعي، وفي مرحلة ثانیة تغلغلت اللیبرالیة في البنى المجتمعیة العربیة، ما أفرز فئات مقصیة تعاني الفقر والهشاشة النفسیة والعلائقیة الأمر الذي جعل العدید من الفئات تتدبّر مصیرها لفرض حضورها وتحقیق الاعتراف بها. ومن ثمّ نشأت هویات هجینة على شاكلة حركات اجتماعیة مضادة یتم تركیبها لتحقیق غایات أصحابها، ومنها رفض القیم الحدیثة من دیمقراطیة وحریة ومسائل إبداعیة وغیرها. وحينئذ نصطدم بافتراض مفاده أنّ رفض السلفیین للقیم الحدیثة والقبول بمنتجات الغرب ونبذه في الٱن ذاته یهدف إلى تحقیق الاعتراف والحراك الاجتماعیین.
للإلمام بهذه المسائل، قسّمنا هذا العمل إلى أربعة عناصر رئیسة:
القسم الأول: وقع فیه العودة إلى النسق التاریخي الذي أفرز حالة الرفض والتناقض التي تمیز حالة السلفیین مع القیم الحدیثة، وقد حمل عنوان مأزق التحدیث في العالم العربي: الحركات السلفیة ومنطق الترمیق الهویاتي.
القسم الثاني: القطیعة مع قیم الدولة الحدیثة: مناورة لامتلاك مفاتیح الحقل السیاسي.
القسم الثالث: ​السلفیّون ​والمسألة ​الإبداعية.
ـ القسم الرابع والأخیر: البحث في علاقة السلفیّین المتناقضة مع الغرب ومنتجاته
مدخل إشكالي:
إنّ المقاربة السوسیولوجیة لحركات الإسلام السیاسي عامّة والحركات السلفیة على وجه الخصوص، تتجاوز خطابات الحسّ المشترك التي لا تنظر لفعلها على أنّه فعل اجتماعي ذو دلالات ومقاصد، بل لكونه فعلا مارقا عن قیم الجماعة وجب استئصاله واجتثاثه، ما یحول دون فهمه؛ لأنّ الأحكام المسبقة من العوائق الابستیمولوجیة التي تمنع الباحث من بلوغ الیقین العلمي وتحول دونه وبلوغ الحقیقة، هذا إن جاز لنا في السوسیولوجیا أن نتحدث بمنطق القوانین والقواعد؛ لأن الظاهرة السلفیة ولیدة أنساق متعددة الرهانات والمصالح.
عموما ینقسم التحلیل السوسیولوجي إلى تصورین اثنین؛ یقدّم أولهما التطرف على أنّه حقیقة موضوعیة ولیدة لأسباب بنیویة یعرفها الكل، منها الفقر والبطالة والتهمیش… أي إنّ العامل الاجتماعي هو المسؤول الرئیس عن التطرّف؛ بمعنى أنّ المجتمع بضعف روابطه وعدم قدرة الأفراد على الاندماج في نظمه القیمیة والاقتصادیة وضعف مؤسساته التي كانت تؤمن لحمة الكل الاجتماعي بتعبیر إمیل دوركهایم تسبب في جعل الأفراد یبحثون عن طرائق بدیلة للاعتراف والاندماج. حینئذ یكفي الوقوف على هذه الأسباب لاستئصال الظاهرة والقضاء علیها، إمّا بحلول ترقیعیة هشّة (العمل الهش، المنح…) وإمّا بأسالیب أمنویة بحتة؛ لأنها في نهایة المطاف خلل وظیفي وانحراف (déviation) عن المعاییر الاجتماعیة. أما التصور الثاني، فیقدّم التجربة السلفیة على أنّها فعل إنساني له مقاصده ودوافعه، ولا یمكن إخضاعه للقیاس الموضوعي ولا فهمه ضمن منطق كمّي صرف، باعتباره مرتبطا بذات الفاعل بماهي ذات تمتلك من المهارة والعبقریة ما یمكّنها من مفاوضة الأنساق الاجتماعیة التي تجعلها ترفض التخوم والهوامش وفق منظار تراه الأنسب للتغییر. ویعتبر الفاعل الاجتماعي في هذا التصور ذاتا مؤسسة للنسق الاجتماعي ضمن منطق استراتیجي هادف، والتطرق إلى السلفیین باعتبارهم ذواتا فاعلة لها رهاناتها ودوافعها. وإیمانا منّا بأنّ التصور الواحد لا يضيء سوى جانب واحد من الموضوع، فإننا سنراوح بین التصورین البنیوي والتحلیلي على اعتبار أنّ السلفیین هم نتاج لبنى اجتماعیة وتاریخیة، وهم في الآن ذاته فاعلون اجتماعیون یؤسسون لثقافة خاصة، ویبنون هویة ویطوّرون أشكال فعل ومقاومة عبر الانخراط في حركة مضادة لحركة النسق الاجتماعي العام، ویمتلكون استراتیجیات مضادة تتناسب مع حجم أرصدتهم في حقل الصراعات. وسینصب اهتمامنا بالذات على علاقة الحركات السلفیة بالقیم الحدیثة، وهي علاقة تثیر الكثیر من الجدل وتطرح العدید من التساؤلات. فما الذي یجعل هذه الحركات تنادي بقیم العدل والمساواة، وترفض الدیمقراطیة التي تنادي بالقیم نفسها؟ لماذا ترفض كل مسألة إبداعیة وتقطع معها ؟ ما الذي یبرر استخدام السلفیین للمنتجات الغربیة ونبذ مصدرها في الٱن ذاته؟
أسئلة عدّة سنحاول الإجابة عنها وتشخیصها انطلاقا من النظریات وأدوات التحلیل السوسیولوجي الذي یتصل اتصالا وثیقا بالأحداث الجاریة والمعایشات الوجودیة. صحیح أنّ المقال نظريّ تحلیلي، لكنّه في الٱن ذاته ثمرة تأمّلات وخبرات تتراكم وتعتمل في أتون التجارب وفي الدراسات المیدانیة السابقة التي أجریناها في مواضیع قریبة.
أوّلا- مأزق التحدیث في العالم العربي: الحركات السلفیة ومنطق الترمیق الهویاتي
إذا نحن تأملنا تجربتي التحدیث في العالمین العربي والغربي ینتصب فیصل للتفرقة تتميّز فیه العوامل الممهّدة للتحدیث في الغرب عن نظیره العربي. فإذا كان التحدیث في المجتمعات الغربیة قد ولّدته حركیة المجتمع ليكون “حركة تحوّل ذاتي”[1] حدثت في كنف التدرج بین القدیم والجدید ومسبوقا بعملیة تصنیع ومجتمع مدني ممأسس، یعبّر من خلاله الفاعلون عن حاجاتهم ومسبوقا بتنمية ثقافية جعلت الغرب يتمثلون الحداثة ويدركون قيمها، فإنّ التحدیث في جلّ البلدان العربیة كان قسریا، ولم يراع البنية الذهنية والثقافية للمجتمعات العربية، فكأنّ التحديث قوالب جاهزة ننقلها من الغرب إلى الشرق لنحقّق التحديث والتنمية. فالتحديث فنّ وفلسفة وسيرورة وهو مراعاة لخصوصيات المجتمع الثقافية تحقيقا للتقدم. معنى ذلك، أنّه يمكن استثمار التراث والثقافة ليكونا محرّكيْن للتحديث ودفعه كما هو الحال في الصين واليابان وماليزيا وغيرها. عموما كانت نتيجة التحديث في جلّ البلدان العربية أن تحطمت كل مؤسسات التنشئة الاجتماعیة التي كان یمرّ عبرها الفعل الاجتماعي كالأسرة والمؤسّسة المسجدیة اللذيْن یقومان بدور مهم في عملیة التنشئة الاجتماعیة وتأطیر السلوك الدیني للأفراد دون أن یفضي ذلك إلى اكتساب وابتكار قیم بدیلة لتلك التي كانت تؤطّر الضمیر الجمعي قبل التحدیث، وإنّما الذي حصل أنّ الفرد العربي بات ممزقا ومشطورا بین القدیم والحدیث بتعبیر علي حرب، لیفرز ذلك هویات هجینة لاهي محافظة ولاهي حديثة، وبالنتیجة إلى ذلك عاشت جلّ البلدان العربیة حداثة عقیمة أعادت إنتاج القیم القدیمة بشكل هجین. وما زاد الوضع سوءا هو تغلغل اللیبرالیة في المجتمعات العربیة، فتُرِك الأفراد بمفردهم لیتدبّروا مصیرهم بأنفسهم بعد أن كانت حاجیاتهم تعهد للأطر التقلیدیة مثل الدولة الراعیة والمؤسسات الاجتماعیة. أفرزت كلّ هذه العوامل ذوات مهمّشة لم تجد موضع قدم في سوق الاستهلاك فاقدة لأدنى مقوّمات التنشئة الدینیة، فكان أن التجأت لبناء هویة مذوتنة ومعولمة تتلاءم وحاجیاتها الاجتماعیة وتكسبها أرصدة جدیدة في حقل الصراعات، فاستثمرت الدین بطریقة فوضویة لإشباع حاجات ذوات یحفّزها هاجس البحث عن موقع للذات صلب المنظومة الاجتماعیة الجدیدة. ذلك أنّ الحركات الاجتماعیة الدينية المعولمة لا تقاوم الواقع الجدید من أجل إعادة بنائه أو رغبة منها في إحیاء أمجاد الإسلام، بل بالعمل على قولبته لصالحها ولصالح صراعاتها وطموحاتها عبر استغلال بائس للنصّ الدیني.
ثانیا- القطیعة مع قیم الدولة الحدیثة: مناورة لامتلاك مفاتیح الحقل السیاسي
إنّ القطیعة بین السلفیین والدولة الحدیثة القائمة على الدیمقراطیة والحریة لا تعني أنّ قیم الدولة الحدیثة متناقضة مع دولة الخلافة التي یرغبون في تأسیسها. ففي نهایة المطاف، تسعى دولة الخلافة منذ نشأتها إلى إرساء قیم العدل والكرامة الإنسانیة وتحقیق الرقيّ الاجتماعي، وهي نفس القیم التي تنادي بها الدولة الدیمقراطیة الحدیثة، فهم یسعون إلى صوغ دور تستعاد فیه الفعالیة. إنّ الحیاة الاجتماعیة عبارة عن مجموعة من الحقول منها الحقل الثقافي والسیاسي وغیرهما. وكلّ حقل من هذه الحقول به فاعلون یلعبون داخله وتجمعهم روابط ویؤدّون جملة من الأدوار ویتصارعون لامتلاك مفاتیح ذاك الحقل للظفر بأكبر نصیب من المكاسب. وما یعنینا في كل هذا، هو الحقل السیاسي الذي یمثل الحقل الأهم من حیث فاعلیة لاعبیه ومكانتهم الاجتماعیة، وهو في الآن ذاته فضاء اجتماعي محكوم بمنطق الصراع ویحتكم إلى جملة من الرهانات التي یسعى كل عون اجتماعي إلى جعلها تشتغل لصالحه، ویقتضي كذلك جملة من رؤوس الأموال، منها الرأسمال المادي والرمزي وكذلك التجربة. وإذا نظرنا إلى هذه المقتضیات ورؤوس الأموال نجد أغلب السلفیین لا یمتلكونها؛ ذلك أنّ العدید منهم یعاني من ضعف في الرأسمال المادي والرأسمال الاجتماعي، ولیست له أي تجربة في الحقل السیاسي؛ أي إنه إذا انخرط في اللعبة الدیمقراطیة واختار الوصول الى السلطة عبر أسالیب الانتخاب وإرادة الشعب، فإنه سیدخل إلى رهان سیخسره لا محالة. وجب إذن العمل على التشكیك في الدیمقراطیة وتشویهها وتكفیر المنخرطین بها والقابلین بها نظاما للحكم. ویبرّر السلفیون رفض القیم الحدیثة والدیمقراطیة بأنّها قیم علمانیة دخیلة على الإسلام، رغم أنّ تاریخ الحضارة العربیة الإسلامیة كان قائما على الحریة ولا یهمّش ویبخّس ما هو دنیوي و”من الأمثلة على الأبعاد العلمانیة في المجتمعات الإسلامیة حریة التفكیر التي كان یتمتع بها الزنادقة والفلاسفة الدهریّون والعلماء المنكرون للنبوات، والفلاسفة الإلهیون الذین جعلوا الشریعة في منزلة أدنى من منزلة الفلسفة، هذا فضلا عن المفكّرین الذین مارسوا هویتهم المنفتحة والمركّبة بصورة كوسموبولیتیة، كما هي الحال لدى أعلام كالفارابي وابن رشد أو الرازي وابن الرواندي أو المعري وابن عربي. ومن المعلوم أنّ الفلاسفة احتلوا مكانة رفیعة في المجتمع الاسلامي، وكانوا مقرّبین إلى الخلفاء والسلاطین، بوصفهم جزءا من الجهاز العلمي والقطاع المعرفي. صحیح أنّ بعضهم تعرّضوا لِتُهَم التكفیر أو للمحن، ولكن ذلك استثناء. هناك فقهاء جرى أیضا تكفیرهم وتعرّضوا للأذى”[2]. معنى ذلك، إمّا أنّ السلفیین یجهلون التاریخ الإسلامي أو أنهم یتعمّدون تجاهله، وهو أمر لیس بغریب على عقول یرى أصحابها أنّه یمكن الاقتصار على القرآن والسنّة وتطبیق ما جاء بهما لتحقیق مبادئ الشریعة وأهدافها. فالمسألة هنا لا تناقش شمولیة القرآن والسنّة من عدمها، بل بالظروف التي صاحبت تطبیقهما على مرّ التاریخ الإسلامي؛ أي كیفیة إجراء مبادئهما على أرض الواقع. فتطبیق الشریعة الإسلامیة على مر التاریخ الإسلامي لم ینف باب الاجتهاد الذي ینكره جلّ السلفیین. ولعل من أشهر الاجتهادات هو إلغاء عمر بن الخطاب حد السرقة لعدم قدرة الدولة على توفیر الظروف المعاشیة التي تمنع الناس من السرقة. إنّ هذه النظرة المتكلسة للشریعة الإسلامیة من ضمن مرامیها أنّ أصحابها لا یریدون فتح المجال لإعمال العقل والاجتهاد؛ لأنّ ذلك من شأنه أن یجعلهم في ورطة مع المخالفین في الرأي ویقرّب وجهات النظر معهم الأمر الذي یمنعهم من تحقيق هویة متفرّدة متمایزة وذات علویة وتستمد مشروعیتها من الشریعة الإسلامية. بمعنى ٱخر، إنّ كل تراجع عن المبادئ التي یؤمنون بها وكل تراجع عن القراءة الحرفیة للنص الدیني سیمنعهم من تحقیق الحراك الاجتماعي ویخسرون رهان السلطة.
إنّ رهان السلفیین على السلطة لیس حكما مسبقا أو مجرّد أقاویل نابعة من الحسّ المشترك، بل هو استنتاج لجملة من الأفكار التي یطرحونها ومنها التطبیق الحرفي للشریعة الإسلامیة وإقامة دولة الخلافة وغیرها… أفكار ومطالب یصعب تحقیقها دونما سیطرة على الحقل السیاسي. هذه الأفكار بمثابة مناورة ولعبة تمكّنهم من الانتقال من أسفل إلى أعلى الهرم الاجتماعي أي الوصول إلى السلطة، لعبة تحتّم علیهم العودة إلى النصّ الدیني قصد التدلیل على أحقیتهم بالسلطة والطعن في شرعیة الدولة الحدیثة وكل دعائمها المؤسّساتیة والأمنیة وبذلك یطوّر السلفیون لأنفسهم أشكالا من الفعل والمقاومة تجعلهم یتجاوزون ضعف أرصدتهم وخبراتهم التي تؤهلهم للمشاركة الفاعلة في الحیاة السیاسیة على نحو ما تقرّه مبادئ الدولة الدیمقراطیة كاختیار الممثلین أو الترشّح لمنصب سياسي؛ لأنّ هذا الأمر سیؤدي إلى إعادة إنتاج مصالح أصحاب النفوذ المالي والاجتماعي الذین یتبنّون بدورهم استراتیجیات للمحافظة على مكاسبهم، ما یجعل السلفيّ یستمر في وضعیته الدونیة، وبالتالي یبتكر استراتیجیة جدیدة للتقویض، وقلب المعادلة تتمثل في مزج الدیني بالسیاسي لإضفاء شرعیة على مطامحه في السلطة والحراك الاجتماعي، فالعلاقة إذن علاقة صراعیة بین دولة تمتلك كل وسائل القوة والردع بمؤسساتها المختلفة ولها مرجعیاتها ومقوّماتها في إطار “دولة الحداثة”، وبین فاعلین اجتماعیین یسعون إلى الحراك ولا یقبلون بالتهمیش والإقصاء الاجتماعیین، ویبتدعون أو یسقطون قیما وتمثلات جدیدة للدولة توظّف الدین كآلیّة للمقاومة وتسقط الماضي على الحاضر بشكل تطویعي مرمّق لیكون السلفیون ذوات فاعلة قادرة على الفعل والتغییر.
یمكن القول، إذن، إنّ الحركة السلفیة بشقّیْها الجهادي والدعوي حركة اجتماعیة مضادّة؛ لأنّها تتبنّى هویة ثقافیة مخصوصة وتحمل مشروعا یتعارض مع المشروع السیاسي للدولة الحدیثة، على الأقل من وجهة نظر أصحابها. ورغم أنّ العدید من فاعلي هذه الحركة الاجتماعیة یدركون أنّ الصراع مع دولة تمتلك دعائم مؤسساتیة قویة وتمتلك كل مقوّمات الضبط والإلزام إلاّ أنّهم یعتمدون على المغامرة والمجازفة للفت الأنظار وإثبات وجودهم وكأنهم یقولون ضمنیا للدولة “إن لم تعترفي بنا فلنا خیاراتنا التي ستعیق اشتغالك”. ویرى علي حرب أنّ المواقف المتطرّفة التي تصدر من غالب السلفیّین هي نتاج لسیاسات الدولة ونخبها الذین غالوا في العلمانیة وقدّموا صورة سیئة عنها، إذ یقول: “إذا كان العلمانیون العرب قد أخفقوا، بقدر ما حوّلوا العلمانیة إلى أنظمة استبدادیة أعید معها إنتاج التجمعات الطائفیة بشكلها الأسوأ والأخطر، فإنّ العلمانیین الأتراك، على ما یبدو ومن ورائهم الجیش، لم یتشبثوا أو یتطرّفوا في موقفهم من الإسلامیین، على الرغم من مخاوفهم، بل خضعوا أیضا للعبة الدیمقراطیة ونتائجها، فسلّموا بقوة خصومهم ومشروعیتهم. صحیح أنّ العلاقات بین الطرفین لا تخلو من صراع وتوتر، ولكن ما یؤمّل منهما، إذا شاءا لتركیا أن تواصل تطورها بصورة مدنیة، حضاریة، سلمیة، إدارة الصراع بمنطق التسویة أو المصالحة، حیث لا یحتكر أحد المشروعیة الثقافیة أو المجتمعیة، ولو كان هو الحزب الحاكم أو الفریق السیاسي الغالب”[3]. المسألة، إذن، لا تقتصر على السلفیین فقط في سوء تمثلهم للقیم الحدیثة، بل تتعدى ذلك إلى الدولة العربیة المعاصرة التي لم تقم بتنمیة ثقافیة وتوعیة اجتماعیة، حتّى یدرك الناس القیم الحدیثة ویتمثلونها فلسفة ومعیشا، بل اقتصرت على السیاسات الأمنویة بغیة تحقیق اللحمة والاندماج الاجتماعیین؛ بمعنى آخر، فإنّ الدولة العربیة المعاصرة تقوم بالشيء وتطالب بنقیضه، فهي لا تقوم على دیمقراطیة حقیقیة تشاركیة وتطالب الفاعلین الاجتماعیین بأن یعترفوا بها، ولا تسمح بحریة التعبیر والفكر وتطالب الفاعلین باحترام الحریة، وتقوم بالعنف اللاّ مشروع وتنبذه في الآن ذاته. ألا یجوز من هذا المنطلق اعتبار الموقف المتطرف للسلفیین من القیم الحدیثة نتاجا لسیاسات الدولة العربیة المعاصرة ونخبها؟
إنّ طرحنا لهذا السؤال، یتأتّى من مقوّم أساسي یرتكز علیه علم الاجتماع ألا وهو وجود لفعل اجتماعي ینشأ من فراغ، بل هنالك عوامل موضوعیة ودوافع ذاتیة تحرّكه. من هذا المنطلق، یمكن اعتبار السلفیین ضحایا نسق لم یتمثّلوا من خلاله القیم الحدیثة من دیمقراطیة وحریة تعبیر في معیشهم الیومي، بل یعتبر الكثیر منهم أنّ القیم الحدیثة بدع وكفر لأنّ الدولة العربیة المعاصرة لم تكشف ذلك الجانب الحقیقي لهذه القیم؛ لأنّها طالما كانت قیما شكلیة أو منعدمة. في هذه الحالة، سیعتبر المهمّشون والمنبوذون وسجناء الرأي أنفسهم ضحایا هذه القیم الحدیثة، وبالتالي یكفّرون بها ویعارضونها بشتّى الطرق، وبالتالي سیحرّكهم دافع ذاتي یتمثل في ردّ الاعتبار بمعزل عن هذه القیم.
​ثالثا- السلفیّون ​ والمسألة ​ الإبداعية
اعتمادا على برادیغم التفاعلیة الرمزیة الذي یرى منظّروه أنّ الحیاة الاجتماعیة عبارة عن لعبة ومسرحية يتبادل فیها الفاعلون الاجتماعیون جملة من الأدوار عبر تواصل محكوم بالرموز والمعاني الظاهرة والخفیّة، سنحاول تحلیل علاقة السلفیین بالقیم الحدیثة. بهذا المعنى، تكون القطیعة بین السلفیین والمسألة الإبداعیة فعلا اجتماعيّا ذا دلالات رمزیة، وكأنّهم یریدون تأسیس فضاء خاص بهم، أي بدیل حمیمي یحقق لهم التمایز عن بقیة الفاعلین الاجتماعیین، بمعنى آخر، هم یؤسّسون شبكة من الرموز تحقّق لهم الفرادة، وتجعلهم اللاعبین البارزین على مسرح الحیاة الاجتماعیة. إنّه شكل من أشكال ابتكار الذات لإعادة الاعتبار لكرامة افتقدوها في خضمّ مجتمع أقصاهم من دوائر تبادله المعیاري ودولة لم تقدر على توفیر أدنى مقوّمات العیش لهم، فلم یبق لهم من خیار سوى تأسیس بدیل تضامني یحقق لهم قفزة نوعیة في السلم الاجتماعي، فرفض الغناء والمسرح والسینما وغیرها من القیم الإبداعية شكل من أشكال الانتقام من المجتمع؛ وذلك بإدراج ثقافته ورموزه وقیمه في درجة سفلى، إذ أضحت هذه القیم الإبداعیة عبارة عن ممارسات جاهلیة (مزامیر الشیطان، تبرّج، فسوق…). إنّ رفض المسائل الإبداعية مردّه إلى قیام البنیة الذهنیة السلفیة على مجموعة من الثنائیات. ومن ضمن هذه الثنائیات التي یقوم علیها الفكر السلفي وجود قطبین متناقضین: قطب أوّل له مجال اجتماعي یتمحور أساسا حول الدین والمسجد والاقتداء بالسلف الصالح، وقطب ثان حداثيّ علماني یتمحور حول المسائل الإبداعیة. وبالتالي، فإنّ اعتراف السلفیین بالمسرح أو بالسينما وغیرهما هو بالنسبة إليهم تنازل واعتراف ضمني بالقطب المقابل. ولئن كانت المسألة الإبداعية متجذرة في الحضارة العربیة الإسلامیة، فإنّ حقل الصراع یجعل من السلفي في بحث مستمر عن ابتكار طرائق وأسالیب في الحیاة للحیولة دون اللحاق بفرقتهم التي یعتبرونها ناجیة. إنّنا نشهد انتقالا من هویة یتطبعها الأفراد عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعیة إلى هویة دینامیكیة تبنیها ذوات بحسب ما یقتضیه وضعها في النسیج الاجتماعي وفي حقل الصراعات.
عموما إنّ مسألة التمایز عند السلفیین وموقفهم المتطرف في الغالب من المسألة الإبداعیة لا یمكن فهمه بمعزل عن المسألة الشبابیة في العالم العربي؛ ذلك أنّ الشباب العربي یعیش وَهَنًا وهشاشة نفسیة وعلائقیة – بفعل تنامي البطالة والفقر ـ جعله موجودا في التخوم. ولمّا كانت لهذه الفئة تمثلاتها الخاصة للهویّة والحیاة الاجتماعیة، فإنّها ستسعى إلى بناء هویة تضمن لها الاعتراف وتحرّرها من الضغوط البنیویة. وفي هذا الإطار، یتمّ استثمار كل الإمكانات المتاحة ومنها النصّ الدیني الذي تتعامل معه بانتقائیة، وأعني بالانتقائیة أنّها تختار من النص الدیني ما ینسجم مع وضعیتها في المجتمع. بمعنى آخر، یكیّف الشباب النص الدیني طبقا لأوضاعه، فإذا كان یعاني من الإقصاء الاجتماعي والمعطوبیة فإنّه یختار آیات وأحادیث نبویة تتلاءم وذاك الوضع لیؤدي النص الدیني وظیفتيْ إشباع الحاجات النفسیة والاجتماعیة من جهة، والتحفیز على الفعل والحراك الاجتماعیین من جهة أخرى لتغدو المسألة الإبداعیة أمرا ثانويّا ومرفوضا لأنّها تتعارض والوضعیة التي یعیشها الشاب. یقول عمر الزعفوري في هذا الإطار “ما من شك أنّ أفراد المجتمع یعیشون أزمات ومحنا تختلف حدّتها باختلاف الظروف، وقد تضیق بهم السبل لتجاوزها، فيلجؤون إلى تلك الفضاءات بحثا عن مخرج لهم داخل المسجد… لیتخلّص الفرد ولو وقتیا من صرامة الدور الاجتماعي، ویتحرّر من كل رقابة اجتماعیة لیطلق العنان لحالة من التلقائیة یعانق فیها المطلق والغیب ویلتحم باللّا محدود، وذاك من شأنه أن یخفف حالات التوتر والآلام التي یسبّبها العیش بین أفراد المجموعة. في هذا الإطار، تتوحد نفسیة الفرد بنفسیات غیره من المحیطین به، إذ الفضاء الذي یحتضنهم لا یعترف بالفروقات الاجتماعیة: اللغة موحّدة والحركات مشتركة والرموز واحدة. هذا المناخ النفسي یحوّل المسجد… إلى فضاء للتفاعل الاجتماعي یشعر فیه الأفراد بأنّهم قریبون من بعضهم البعض ممّا یسهّل علیهم الاطلاع على أحوال بعضهم، فیهون علیهم قبول مصائبهم عندما یكتشفون حالات شبیهة بحالاتهم إن لم تكن أكثر تعقیدا. هي حالات یصعب البوح أو اكتشافها خارج تلك الفضاءات التي تسقط فیها الأقنعة الاجتماعیة ولا یعترف فیها إلاّ بمن امتثل لضوابطها الداخلیة”[4]. ما یعنینا، في كل هذا، أنّ الحالة النفسیة والاجتماعیة للفرد هي التي تجعله یختار قیما ویرفض أخرى ویفضّل فضاء على ٱخر.
ثمة مسألة مهمّة وجب التأكید علیها فی ما یتعلق بعلاقة السلفیین بالقیم الحدیثة، ألا وهي تمثّلاتهم للحیاة الاجتماعیة في صیغتها المثلى، إذ هم یعتبرون حیاة المِلّة الأولى حیاة مثالیة، وبالتالي وجب استنساخها في الحیاة المعاصرة. ونحن لا نتحدّث عن الأخلاق والعبادات بل عن بعض الرموز من قبیل اللباس والمظهر والمسائل الإبداعیة. ورغم أنّ حیاة المجتمع الإسلامي في زمن الرسول وفي زمن الصحابة لم تَخْلُ من الإبداع، إذ ازدهر الشعر والأدب…، فإنّ التدیّن السلفي یقصي المسائل الإبداعیة، وخاصّة تلك المعاصرة نسبیا كالسینما والمسرح؛ لأنّها لم تكن موجودة في حیاة المسلمین القدامى، وبالتالي فهي بدعة وظلالة. ویعود ذلك إلى أنّ الذهنیة السلفیة حرفیة ونصوصیة تعتمد النقل وتقصي العقل استنادا إلى الحدیث النبوي- الذي یجري تأویله وتوظیفه بطرائق مختلفة – الذي يقول فيه الرسول: “خیر القرون قرني الذي بعثت فیه ثم الذي یلونهم ثم الذي یلونهم ومحمّد وأصحابه هم المصطفون من عباد ﷲ”، فیتمّ رفض كلّ مسألة وكل قیمة لم تكن موجودة في القرون الأولى للإسلام.
نكون إذن إزاء هویة ذات بعد واحد، هویة موجودة هناك في الماضي لا هویة ننتجها، وكل من یخالف هویة الماضي یصبح مبتدعا، وبالتالي طرفا من أطراف الصراع. لذلك تصطبغ خطاباتهم بـ: “افعل ولا تفعل”، “حرام / حلال” أو یستشهدون بحوادث وقعت في الماضي. عموما إنّ تشبث السلفیین بالماضي ینتج عنه انغلاق ورفض لكلّ فعل مفاوضة ونقاش قد یمسّ من بنیته القاعدیة التي ارتبطت بالفعل المقدّس (الزمن الأوّل)، فیكون ذلك الفعل هو الدینامو المحرّك لسلطة الزمن التأسیسي، لذلك یعتصم السلفي بهویته بشكل نضالي كفاحي عنیف في كثیر من الأحیان ضد أي هویة مخالفة قد تشكّل خطرا على وجوده الهویاتي. وحتى إن لم تشكّل خطرا على هویّته فاحتواؤها عبر آلیة الدعوة على سبیل المثال أو النصح یزید من قوة هویته وانتشارها.
بناء على ما سبق، یرفض السلفي كل قیمة إبداعیة؛ لأنّها لا تتماثل والمدینة الفاضلة التي یحلم بتحقیقها وفي ذهنه أنّ كل قیمة لم تكن موجودة في العصور الأولى للإسلام دخیلة ووجب رفضها أو اجتثاثها، رغم أنّ العصور الأولى للإسلام لم تخْلُ من المخالفین في القیم وطرائق العیش والإبداع. وینمّ كلّ هذا عن جهل السلفیین بالتاریخ أو اقتصارهم على ما هو ظاهر قشري وسطحي دون الخوض في الأعماق. فذهنیتهم التي لا تؤمن سوى بالكتاب والسنّة مصادر للمعرفة وترفض العلوم الأخرى من تاریخ واجتماع واقتصاد تجعلها تتغافل عن الأطر والتفاعلات المصاحبة للعصور الأولى للإسلام؛ أي متغافلة عن كیفیات تطبیق الشریعة الإسلامية وطرائق التعامل مع الآخر المختلف.
رابعا- في العلاقة المتناقضة مع الغرب ومنتجاته
من الغریب حقا أن تنظّر الحركات السلفیة للقطیعة الكلّیّة مع الغرب الذي یعتبرونه كافرا ونتاجاته بدعا، وفي الآن ذاته نجد العدید منهم یستعمل آخر صیحات الهواتف الجوّالة والحواسیب المحمولة. فبدل أن یؤسسوا لفكر ینبني على النهضة الذاتیة والتقدم، فإنّهم ینتقدون ولا یقدمون البدیل، ولذا فإنّ أقصى ما یمكن للحركات السلفیة القیام به، وخاصة الشقّ الجهادي، هو خلق الأعداء وإحداث التوترات وإشاعة الفُرقة والاستئصال. وأكثر من هذا كله یأخذون عن الغرب تقنیاته ویوظفونها في أشكال من الخراب والدمار ولا یضعون على بساط النقاش تلك الأفكار التي یمكن أن تكون محلّ اتفاق بینهم وبین المخالفین في الرأي الذین یسمّونهم “علمانیّین”، ومنها احترام المخالف في الرأي وحریات التعبیر والفكر والإبداع وكل ما من شأنه أن یساعد على نهوض الأمّة على نحو یساعدها على ممارسة فاعلیتها واستعادة مبادرتها في ضوء الحداثة السیّالة بطفراتها وتقنیاتها. إننا عاجزون على بناء شخصیة حراكیة مبدعة، وما زاد الوهن حدة هو انتشار فكر یدعو إلى التشبث بالماضي تشبثا أعمى.
إنّ النهضة الحضاریة حسب رأینا لا یمكن أن تصنعها الرشاشات والدبابات، بل تصنعها العقول والعلم. ولا یمكن إحداث التغییر ما لم تتوافر بنیة ذهنیة تؤمن بالجهاد العلمي، ولا یمكن إحداث تنمیة اقتصادیة ولا اجتماعیة دونما تنمیة ثقافیة. إنّ فكرة إتباع السلف الصالح حرفیا تجعل من الفكر الذي تتأسّس علیه الحركات السلفیة وخاصة الجهادیة منها ینفي كل قدرة للفعل الفردي والمفاوضة؛ لأنّ القیم والمبادئ التي جاء بها الإسلام غیر قابلة للنقاش والمجادلة حسب تعبیرهم، وهم بذلك یعارضون حتى قول الرسول “أنتم أدرى بشؤون دنیاكم”. إنّ أشكال الترمیق التي یقوم بها السلفیون فیما یتعلق بموقفهم المتناقض من الحداثة والغرب عبر استخدام منتجاتها ونبذهما في الٱن ذاته يدلّ على فشل الأفكار السلفیة وقوالب السلفيّين الجاهزة في مجاراة الواقع المتسارعة خطاه.
ما یلفت الانتباه من هذا التناقض، التوظیف المكثف لشتّى وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الأفكار السلفیة أو ما یسمّونه عقیدة التوحید، إذ تزخر صفحات الفایسبوك وتویتر ومواقع قوقل ویوتیوب بالخطابات المتصلّبة والمناشیر المخرجة من سیاقها. وقد حققت هذه المواقع تدفقا كبیرا للمعلومات والبیانات یسّرت عملیة الاستقطاب وتبریر الفكر السلفي وتسویغه. وقد أدّى ذلك إلى نشوء خطاب متطرف ومعولم وانسیابي یستثمر وسائل التواصل الحدیثة لیستهدف الشباب والفئات الأخرى بالمحتوى الالكتروني الملائم لسنّهم وتطلّعاتهم وأنتجوا ما یسمّى بـ “الفتاوى الالكترونیة”، وهي مجال یتیح للشباب طرح جمیع الأسئلة والمصاعب التي تعترضه في حیاته الیومیة لیجیبه بعد ذلك داعیة أو شیخ بعد مدة زمنیة وجیزة. وكل شقّ من شقّيْ الحركة السلفیة یوظف هذه الفضاءات لخدمة مصالحه وتسویغ مشاریعه وأفكاره. فإذا كانت السلفیة الجهاديّة تحرص على نشر وتسویغ مقولات الجهاد والولاء والبراء وتكفیر المشركین والمرتدین، فإن السلفیة العلمیة تقوم بتبریر أفكار الطاعة والصبر وعدم الخروج على الحاكم.
ما یدعو للتساؤل هو قیام بعض السلفیین بنشر أفلام مرعبة بها مشاهد إعدام للأسرى والرهائن، وفي الآن ذاته یدّعون أنهم أصحاب قضایا نبیلة، بل ویشتكون من معاملة المجتمع لهم. هم إذن یعانون من هشاشة فكریة واجتماعیة إذ یشعرون بأنّهم مضطهدون، وأنّ المجتمع قد أقصاهم ولم يعترف بهویتهم. إنّها هشاشة یجسّدها عدم التلاؤم بین المفهوم والمنطوق أو بین القول والفعل، وهو أمر یمكن أن یكون مدخلا لفهم العلاقة المتناقضة مع الغرب ومنتجاته. فالفكر السلفي بالأساس قائم على التناقض، إذ ینادي بشعارات ویقوم بأضدادها ویخرج صورة الإسلام من صورتها النبیلة إلى صورة سیّئة ترتكز على القتل والفتك والدمار، والمشكل أنّ ما یسمّونه جهادا یستهدف دائما المسلمین، ولا یستهدف الغرب الذي یدعون إلى معاداته. وهذا إشكال ٱخر یتعلق بعلاقة السلفیین بالغرب نقدّر أنّه يستحقّ الدراسة.
الخاتمة:
إنّ موقف السلفیین من القیم الحدیثة لا ینفصل عن البنى التي أفرزته ومنها فشل المشروع التحدیثي ببلدان العالم العربي الذي لم تسبقه تجربة صناعیة أو تنمیة ثقافیة تجعل من الفاعلین الاجتماعیین یتمثّلون القیم الحدیثة، كما لم تستطع الدولة العربیة إخراج القیم الحدیثة في صورتها الحقیقیة كما في بیئتها الأصلية. فالمشروع التحديثي إذن لم ینجح لا في الحفاظ على القیم التقلیدیة، ولا في اكتساب القیم الحدیثة على نحو یؤدّي إلى المشاركة الفعّالة في صناعة الحیاة الحدیثة، وهو ما انجرّ عنه انبثاق هویات هجینة تحرّكها دوافع الاعتراف ورفض التهمیش على نحو یتمّ فیه استثمار القیم الحدیثة في حقل الصراعات بغیة استرداد القیم والفضائل الأولى، بل محاولة استنساخ رموز وقیم ومعیش السلف الصالح استنساخا حرفیا دون مراعاة التحولات الاجتماعیة.
إنّ التناقض الكبیر الذي یمیز الذهنیة السلفیة في تعاملها مع القیم الحدیثة يعكس وضع صاحبها الذي یعاني اللاّیقین ویبحث عن الاعتراف تحت لافتة معركة استرداد الهویّة عبر هندسة اجتماعية تتعلق بالسلطات والمواقع.

المراجع:
المراجع باللغة العربية:
علي حرب، تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم، الدار العربیة للعلوم ناشرون، لبنان، 2008
عمر الزعفوري، الوظیفة النفسیة والاجتماعیة للمعالم الدینیة في حیاة المجتمع، مجلة الحیاة الثقافیة، العدد 158، 2004
المراجع الاجنبية:
Touraine Alain, La critique de la modernité, Fayard, Paris, 1992
[1] Alain Touraine, La critique de la modernité, Fayard, Paris, 1992, p.123
[2] علي حرب، تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم، الدار العربیة للعلوم، ناشرون، لبنان، 2008، ص86
[3] علي حرب، المرجع نفسه، ص252
[4] عمر الزعفوري، الوظیفة النفسیة والاجتماعیة للمعالم الدینیة في حیاة المجتمع، مجلّة الحیاة الثقافیة، العدد 158، 2004. ص2
*نقلاًعن مؤمنون بلا حدود
*باحث تونسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى