قضايا فكرية

الأصل الَّلاهوتي للحداثة (1 من 6)

علمنة الغرب في جذورها الإغريقية المسيحية 

٠

د. محمود حيدر

مفكر وباحث في الفلسفة – لبنان

تمهيد

كثيراً ما يُقرأ تاريخ الحداثة باعتباره نقضاً تاماً لتاريخ المسيحية الغربية بجناحيها الكاثوليكي والبروتستانتي، لكن غالباً ما يحتجب عن تلك القراءات حقيقة تاريخية تكشف عن ولادة الحداثة في أرض اللاَّهوت، سواء كامتداد طبيعي له، أو كارتداد صارخ على قيمه الدينية وسلطاته المعرفية والسياسية. سوف تسعى هذه الدراسة إلى جلاء العلاقة السلالية بين عصر الحداثة والعصور التي سبقتها منذ الحقبة الإغريقية إلى الحقبة السكولاستيكية التي سادت العصور الوسطى. ومما لا ريب فيه، أن معاينة هذه العلاقة وظروف نشوئها سيكون لها شأن حاسم في الانعطافات الكبرى التي أحدثت في أوروبا بدءاً من عصر النهضة (القرن الخامس عشر) إلى عصر التنوير في القرن السابع عشر وانتهاءً بعصر التقنية بامتداداته المعاصرة.

الفَرضِية التي نبتني عليها دراستنا هي ذات طبيعة مركبة: أنطولوجية وتاريخية. ومن الجائز القول أن الحداثة ما كانت لتنشأ كنظام معرفة للعالم من خارج الاحتدام مع الإيمان المسيحي. ثم انها لم تكن لتتمكن من شقِّ سبيلها في أوروبا ابتداءً من القرن الثاني عشر، لولا المعركة الكبرى التي خاضتها مع الكنيسة والطبقات الحليفة لها. والحكاية تبدأ من دائرة الاحتدام تلك؛ وبيان القضية ان تاريخاً كاملاً شهدته المجتمعات الأوروبية واستحلَّت فيه عبارةُ “إزالة السحر عن العالم” (désenchantement) عقلَ الحداثة برمته. كان الدين على وجه الحصر هو المقصود من العبارة التي تحولت مع تقادم الزمن إلى ما يشبه الأيقونة الإيديولوجية. لم يفارق الدين عقل الحداثة سحابة القرون الخمسة من عمرها المديد. كذلك لم يغادر الشأن الدينيُّ هواجس الغرب لا في حداثته الأولى، ولا في أطواره الـ”ما بعد حداثية”. كأنما قدرٌ قضى أن يظلّ الدين – والمسيحية على وجه الخصوص- باعث الحيوية ومصدر الحراك في حقول الفلسفة والفكر والثقافة والاجتماع.. حتى لقد بدا أشبه بمرآة صقيلةٍ يَظهر على صفحتها الملساء حُسنُ الحداثة المزعوم. فالدين ـ على ما يذهب جمعٌ من فلاسفة التنويرـ لم يكُف عن كونه وظيفة أبدية للروح الإنساني. كان هؤلاء ينطلقون من يقين يرى إلى الإيمان الديني شأناً ذاتياً في الطبيعة البشرية. لهذا السبب كان فيلسوف الدين الروسي نيقولا برديائيف (1948-1874) يرى أن لليقظات الفلسفية دائماً مصدراً دينيّاً. يومها نال بسبب قوله هذا الكثير من النعوت المذمومة ممن جايَلَهم من علماء الماركسية ومفكِّريها ورغم سَيْلِ الانتقادات التي انهمرت عليه، ظل على قناعته بأن جهلاً مطبقاً ضرب العقل الأوروبي حيال الدين. كان برديائيف يدعو على الدوام إلى التبصر بالإيمان الديني بما هو حالة فوق تاريخية لا يستطيع العقل العلماني أن يقاربها بيسر. بل انه سيمضي في مطارح كثيرة من مساجلاته إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد أعرب عن اعتقاده بأن الفلسفة الحديثة عموماً، والألمانية على وجه الخصوص، هي أشد مسيحية في جوهرها من فلسفة العصر الوسيط. فقد نفذت المسيحية ـ برأيه ـ إلى ماهية الفكر نفسه ابتداءً من فجر عصور الحداثة.

لكن يبقى الإستفهام الجوهري يدور حول تلك الجدلية شديدة التعقيد والتداخل التي تجعل من الحداثة مولوداً مشتركاً للثقافتين الإغريقية والمسيحية؟..

منشأ الحداثة من أرض الإغريق إلى حقل الَّلاهوت

ابتداءً، نرانا بإزاء مفارقة بيِّنة حيال المنشأ المعرفي والتاريخي للحداثة. مؤدى هذه المفارقة ان حداثة الغرب استمدت جلَّ غذائها المعرفي من السلف الإغريقي والروماني، فضلاً عن المسيحية. في الحقل الَّلاهوتي المسيحي الذي ازدهرت مدارسه في القرون الوسطى- أخذت تشكل المباني الكبرى للحداثة من خلال الجمع بين الميراثين الإغريقي والروماني المشترك. وستشهد أوروبا القرن الثالث عشر حيوية لافتة تركَّزت على التوفيق بين المسيحية والتراث العقلي آنف الذكر. ولقد أعربت أفكار القديس توما الأكويني(1225-1274م) الداعية إلى الوئام بين الإيمان والعقل، وبين الكنيسة والدولة التأسيسات الأولى للفكر المسيحي التوفيقي في القرون الوسطى المتقدِّمة. في تلك الحقبة (القرن الثالث عشر) سنشهد على مجتمع مستقر نسبياً، يتمتع بوحدة ثقافية ودينية، على الرغم من الانقسامات المناطقية. فقد تكونت ثقافة مسيحية مشتركة محورها الكائن الإنساني، والنظر إليه بوصفه مخلوقاً إجتماعياً والله علّة وجوده.

ومما لا خلاف عليه بين عدد وازن من المؤرخين، أن المبادئ الأسطورية التي خيّمت على الفكر الغربي لم تفارق فهم الفيلسوف الإغريقي سقراط لما تضمّنته أساطير أسلافه من قضايا حول الآلهة والأبطال. وهذا الفهم بطبيعة الحال مبنيٌ على أصولٍ وقواعد فلسفية، على غرار ما ذهب إليه أتباع الكاتب الإغريقي يوهيميروس القورينائي (Euhemerists) حيث اعتبروا الشخصيات الأسطورية كيانات تاريخيةٌ عقلانيةٌ، ولو عاينَّا المسار الَّلاهوتي الذي بسط نفوذه في أرض الغرب لظهر لنا كيف أنّه يضرب بجذوره عميقاً في الأساطير الإغريقية. كذلك سوف يكون لنا أن نتبيَّن بوضوح الجانب المشترك بين الَّلاهوت الغربي الجديد والَّلاهوت اليوناني القديم؛ وهذا الجانب المشترك يتمثّل في الرؤية الإنسانوية الموجودة في عمق هذين الفضاءين الفكريين المشار إليهما. ومن المفيد أن نذكر هنا أن مركزية الكائن الإنساني ومحوريته في الوجود هي من أبرز ما استورثته الحداثة من الإغريق ومن بعد ذلك من الَّلاهوت المسيحي. وفي هذا السياق يقول الباحث فيرنر جايجر أن الصورة التي طرحها هوميروس للكون فحواها مركزية الإنسان فيه، بينما الشاعر هسيود تبنّى نظريةً مختلفةً عمّا تبنّاه هوميروس، حيث ميّز بين الإنسان والعنصر الديني في الشعر الحماسي وسلّط الضوء على المسائل الدينية بشكلٍ مطلقٍ، لذا يمكن القول أنّ الفكر الألوهي الشائع في العصر الحديث يضرب بجذوره في لاهوت هذا الشاعر القديم. ولو تتبّعنا بعض أعمال أساتذةٍ الفنّ التراجيدي الإغريقي القديم، لوجدنا أنّ كثيراً من النظريات الَّلاهوتية الحديثة قد تأثّرت بها؛ ولنا على سبيل المثال أن نشير إلى ما أورده ثلاثة من المؤرخين الإغريق:

أولهم: آخيل (أخيليوس) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد متأثّراً بالمعتقدات الدينية الشائعة في زمانه، وقد كان واحداً من الأبطال الأسطوريين بحيث امتلك قدرةً عظيمةً مصدرها إيمانه الراسخ بالعقل الإلهي الحاكم على حياة البشر، وهذه الميزة أثارت في نفسه الخشية باعتباره إنساناً والشعور بالمواساة لأقرانه البشر، والشفقة عليهم فأدرك الطابع المؤلم في مسيرة حياتهم.

ثانيهم: سوفوكليس، الذي كان أكثر تأثيراً من أخيليوس ويوربيديس؛ وقد اتّصفت رواياته المسرحية التراجيدية بالتوازن بين الخصال الإنسانية والإلهية؛ ومن جملة معتقداته أنّه لم يتردّد مطلقاً في صفة الشرّ التي استودعها الربّ في أنفس البشر، لكنّه مع ذلك كان يبجّل العظمة الإلهية التي لا يمكن للإنسان بلوغها بتاتاً حتّى وإن كان أفضل البشر، لذا أقرّ بأنّه لا يمتلك القابلية على الصراع مع الربّ وحتّى إنّه لا يرغب بذلك.

وثالثهم: يوربيديس الذي يعتبر فنّاناً جسّد القابليات العظيمة للإنسان، وهو أحد الشكوكيين الكبار الذين عاصروا بروتاغوراس.

التراث الأسطوري المشار إليه، سيكون له الأثر البيِّن على الأنظمة القيمية اللاَّحقة في بلاد الإغريق. حتى انه طفق يتوغل في صفوف فلاسفة العلم، ثم ألقى بظلاله على حركة العقل، بدءاً من السوفسطائيين مروراً بسقراط وأفلاطون وأرسطو وتالياً إلى العصور الهلنستية والمسيحية، وصولاً إلى أزمنة الحداثة.

ولو استرجعنا على نحو الإجمال ما كانت عليه المبادئ الَّلاهوتية المؤسِّسة للأساطير الإغريقية القديمة سوف تنقشع الصورة لجهة تأثير هذه المبادئ على الحضارة الغربية الحديثة. وفي هذا الصدد يقدِّم الباحثون جملة من الشواهد:

– الشاهد الأول: قيام الَّلاهوت الأسطوري على نزعةٍ طبيعيةٍ، ولا يُستبعد أنّ تكون هذه النزعة التي سادت في العهد الإغريقي القديم هيالتي سيتبلور بسببها الَّلاهوت الطبيعي في أوروبا الحديثة. وبهذا المعنى تعبيراً (الَّلاهوت الأسطوري) تعيرٌ آخر للثيولوجيا الطبيعية، التي تعدّ ثمرةً التحول الذي شهدته المجتمعات الغربية في عصر التنوير، والمتمثّل بالانتقال من الفكر المدرسي إلى المفاهيم الأسطورية الموروثة من بلاد الإغريق.

– الشاهد الثاني: الآلهة في الَّلاهوت الأسطوري الإغريقي تمّ تصويرها بشمائل وميزات إنسانية، وهذه الحالة أثّرت على واقع الألوهية في الَّلاهوت الغربي الحديث. كما تمخَّضت الأساطير الإغريقية المشوبة بالشرك، عن بروز حالة الإلحاد في الفكر الغربي المعاصر. وفي هذا السياق أمكن القول أن وجهة النظر الميثولوجية القائلة بكون الآلهة من صنع أفكار المجتمعات البشرية البدائية، قد أثّرت بشكلٍ كبيرٍ على النهج الإلحادي الذي تبنّاه بعض مفكّري العصر الحديث من أمثال فوير باخ وأوجست كونت وفريدريك نيتشه وجان بول سارتر، وغيرهم؛ حيث ادّعى هؤلاء أنّ الله مجرّد موجودٍ ذهني (subjective) لكونه وليداً للفكر البشري.

الشاهد الثالث: إله الآلهة في الأساطير الإغريقية تمّ تصويره وكأنّه كائنٌ مرعبٌ يحبّ الانتقام، ففي أسطورة بروميثيوس على سبيل المثال ادُّعي أنّه يحسد الإنسان على قابلياته العلمية ومهاراته الفنّية وإنجازاته الصناعية، وهذا التصوّر أسفر عن حدوث فجوةٍ بين العبودية من جهةٍ والعلم والصناعة والفنّ من جهةٍ أخرى في مبادئ وأصول عصر التجدّد الغربي. وهذا الأمر من شأنه أن يكون سبباً للتضارب بين إرادة الإنسان والمشيئة الإلهية في مبادئ الفكر الحديث.

الشاهد الرابع: الآلهة في الأساطير الإغريقية كانت تقوم بعملية الخلقة وتدبير شؤون الكون بأسلوبٍ يناظر لعب الأطفال وعبثهم، فكما أنّ الطفل وحده غير قادرٍ على اللعب لوحده كذلك تمّ تصوير الإله بأنّه لا يمكن أن يترك وشأنه. وعلى هذا الأساس تبنّى فريدريك نيتشه فكرة أنّ كلّ حضارةٍ يجب أن لا تصنع لنفسها إلهاً واحداً، بل إضافةً إلى إله الآلهة زيوس ينبغي أن يكون لها إلهان آخران على أقلّ تقديرٍ مثل أبولو وديونيسوس. وفي غير هذه الحالة وعندما تؤمن المجتمعات البشرية بإلهٍ واحدٍ سوف تسود نزعةً فلسفيةً مطلقةً تنذر بالخطر بحيث تمسي عائقاً أمام الرؤية الواقعية النسبويّة التي كان لها تأثيرٌ على المنظومة الفلسفية الحديثة في العالم الغربي.

الشاهد الخامس: التأويل الهرمسي. والمعروف أن هرمس كما هو في التأويل الغربي قد تصدّى لمقام الألوهية في التجارة والسفر والتفسير، كما حمل رسالة آلهة جبل الأوليمب، وهذه الميزات كان لها تأثيرها الكبير في مختلف شؤون عصر التنوير الفكري وشتّى جوانب التجدّد الغربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى