الرأي

الأشياء لا تفعل نفسها

الغالبية تقول نفس الأشياء و تعتقد أنها على خلاف

د. بكري الجاك
حكي لي صديق، فلنسميه (حسن راكوبة)، من رفاق التجمع الوطني والجبهة الشرقية، أنه يوماً زار أحد المعارف من الرفاق في منزله بأسمرا، فلنسميه (صديق طاحونة)، ووجده يتفرج على القناة الفرنسية، حينما كان القمر الأوروبي يمكن التقاطه بالأطباق الفضائية، فسأل صديقي راكوبة: يا طاحونة انت بتعرف فرنسي؟ أجاب طاحونة: لا. فأردف راكوبة: طيب إنت ليه بتتفرج على قناة فرنسية؟ رد طاحونة بيقين العارف: ما يمكن تجيب حاجة. هذه المقولة: “ما يمكن تجيب حاجة” يمكن توظيفيها كإطار نظري ومفاهيمي لتفسير جل ما يحدث في المشهد السياسي في بلادنا اليوم.
ربما أنه من نافلة القول الحديث عن أن العقل الجمعي لأي مجتمع (أي طريقة التفكير والتعاطي مع الواقع بدءاً بتوصيفه ومن ثم تفسيره) هو نتاج مجموعة عوامل، من بينها الثقافة بمكوناتها من لغة كطريقة للتفكير وكمحمول ثقافي ومقدسات هذه الثقافة، مناهج التعليم وسبل تحصيل المعرفة و كيفية إنتاجها، ومدى تأثير وتأثر المجتمع بمحيطه الخارجي، وغيرها من عوامل أخرى.
كما كتبت سابقاً، إن جزءاً من مسببات الحالة الماثلة في شأننا الثقافي والسياسي لها علاقة وطيدة بشكل مباشر بمناهج التعليم التي تعلي من شأن النظري والمطلق على العملي والتطبيقي، ولها علاقة باللغة العربية التي تعلي من شأن جزيل العبارة والبلاغة على حساب المحتوى، ولها علاقة بالمخيال الاجتماعي الذي يقوم علي الأسطورة والقدرية، ويقلل من شأن العقلانية التي تربط الظواهر بمسببات.
في الأشهر الماضية اطلعت على أي ميثاق تم نشره، وأي مبادرة تم نشرها بما في ذلك المبادرة الفضيحة التي جمعوا لها كل أحزاب وكيانات كانت بالأحرى عدة شغل سياسية لنظام الإنقاذ، وانفض الناس من حولها قبل أن يجف الحبر الذي وقعوا به عليها من الكذا و سبعين نطيحة سياسية ومتردية اجتماعية وبقية الفاقد التربوي من ما يعافه السبع.
كل المواثيق التي صدرت من قوى ثورية ولجان مقاومة، وكل المبادرات التي صدرت من قوى داعمة للانتقال الديمقراطي تتفق في مطالب السودانيين حول قيام دولة مدنية ديمقراطية على أساس المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية والعدالة النوعية، دولة بها جيش واحد تحكمه الاحترافية، وعقيدته هي صيانة الدستور وحماية الحدود والدفاع عن دولة المواطنة.
جل هذه المواثيق والمبادرات تتحدث عن بناء دولة المؤسسات التي تفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتضمن استقلالية القضاء كوسيلة لسيادة حكم القانون ليتساوى الناس في ظله حكاماً ومحكومين. كل هذه المواثيق تتحدث عن عدالة انتقالية تضمن إحقاق الحق وإنهاء المظالم بما في ذلك القصاص للشهداء والجرحى و المعتقلين.
نقاط الخلاف الجوهرية تتمثل في: 1) ما إذا كان يجب أن يكون هنالك دور للجيش في المرحلة الانتقالية. 2) طبيعة الترتيبات الدستورية للمرحلة الانتقالية وما إذا كانت هنالك ضرورة لوجود مجلس للسيادة أم لا. 3) النسب في تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي. 4) أيهما أولاً تشكيل مجلس تشريعي يقوم باختيار رئيس الوزراء الذي بدوره يشكل الحكومة، أم اختيار رئيس للوزراء وتشكيل حكومة قبل الشروع في تشكيل المجلس التشريعي؟
الشاهد أن كل المواثيق والمبادرات قدمت سؤال السلطة والمرحلة الانتقالية على قضايا التأسيس مثل الدستور الدائم وبناء المؤسسات، وافترضت أن هذا سيأتي لاحقاً، كما أن جميعها أغفلت الحديث عن أدوات المقاومة، وافترضت أن هذا الانقلاب سيسقط بشكل ما، لذا انخرطت في الحديث عن ترتيبات الحكم الانتقالي.
الغريب في الأمر أن القاسم المشترك الأعظم بين هذه المواثيق والمبادرات، أنها لا تتحدث عن الآليات و الوسائل و الأدوات التي ستحقق تلك الأهداف المطلقة مثل تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي (سواء بانتخاب أو بتعيين، كيف هو شيطان التفاصيل؟)، أو كيف سيتم توحيد الجيوش وفق عقيدة جديدة؟ أو كيف سيتم بناء المؤسسات (من جهاز عدلي ذي كفاءة بما في ذلك تأسيس محكمة دستورية)، وجهاز دولة (خدمة مدنية، هيئات حكومية مستقلة، اجهزة الشرطة والأمن)؟ أو كيف سنستعيد مؤسسات الدولة المختطفة بالكامل بواسطة كارتيلات توظف جهاز الدولة لاكتساب شرعية اجتماعية وسياسية؟
السبب الرئيس الذي يجعل العقل السوداني والفاعل السياسي السوداني لا يفكر في سؤال: كيف هو تجلي هذا العقل الذي يفترض أن الاشياء تفعل نفسها، ويكفي أن نكتبها أو نتحدث عنها، ربما هذا ما يفسر وله السودانيين بالرواية والشعر والتماهي مع المطلق حتى في التخصصات التطبيقية. أو ربما يمكن تفسيرها بحكمة أخينا طاحونة المستوحاة من القناة الفرنسية “ما يمكن تجيب حاجة”.
وبرغم أن أهداف قوى الثورة الداعمة للانتقال الديمقراطي في المطلق حسب ما هو مكتوب تكاد تتطابق، إلا أن المتابع للخطاب السياسي الراهن برغم ضحالته ربما يعتقد أن هناك خلافات عميقة وجوهرية بين هذه القوى التي تصف بعضها أحياناً وفق رغباتها وتصر في تعليب بعضها البعض، في مواقف أقرب إلى معرفة بالنوايا أكثر منه معرفة بموقف سياسي معلن.
هذا الإصرار لا علاقة له لا بالسياسية ولا بالمواقف المعلنة أحياناً، وتفسيره ربما يكمن في طبيعة العقل المنتج لهذا الخطاب والغيرة السياسية وشخصنة العمل العام، والإصرار على تعليب الناس في مواقف فقط لتحقيق شيء من التميّز و الإحساس بالصوابية السياسية والتفوق الأخلاقي. وحتى من يعتقدون في أنفسهم أنهم دعاة التغيير الجذري هم في حقيقة الأمر لا يختلفون مع دعاة التغيير (السادة) في جل الأهداف، ولو أن هنالك خطاباً سياسياً جاداً وناضجاً لربما كان هنالك خلاف في الوسائل والآليات وليس في الغايات والأهداف الكلية، وفي أي واقع يحكمه، أي قدر من العقلانية، الخلاف في الوسائل والآليات منطقي وطبيعي ومرغوب فيه للتطور.
خلاصة القول
إذا كنا سنحتكم إلى المواقف المعلنة (كتابةً وقولاً) لجل الفاعلين السياسيين في قوى الثورة، ليس هنالك ما يفسر العداء والغوغائية ومظاهر الخلافات التي تعج بها الوسائط، وحتى لو افترضنا جدلاً أن الخلاف حول الوسائل والآليات التي يتبناها كل فاعل سياسي لتحقيق الأهداف والغايات فهذا ليس صحيح، فجل الفاعلين الثوريين يتظاهرون ويشاركون في الإفطارات والوقفات الاحتجاجية، ويشاركون في الاعتصامات والإضرابات، وجميعهم يرغبون في بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية، وهو ما يجب العمل على تأسيسه وتأجيل ما هو برامجي لصناديق الانتخابات.
هذه مشتركات لتطوير رؤية متكاملة للتغيير لتصبح خطاباً سياسياً للثورة، وخطاباً دبلوماسياً يقدم للفاعلين الإقليميين. ما هو الصعب في ذلك؟ إنه العقل السياسي والغيرة وشخصنة العام وغياب العقلانية التي تجعلنا نتفرج على حالنا وكأننا عاجزون. و بالطبع هنالك فرضية “يمكن تجيب حاجة” التي يعمل بها حتى الانقلابيين أنفسهم.
إذا تدبرنا أمرنا بحكمة وهمة، ما نريده ماثل أمام أعيننا جميعاً، و ربما من الأفضل أن يكتب كل فاعل الكيفية التي سيحقق بها غاياته لنتبين إلى أي درجة أن اعتقادنا بعظم خلافاتنا محض تجل لما هو ذاتي وليس له مقومات موضوعية، فالموضوعي متحرك وقابل للحوار والتغيير ،والتحيزات الذاتية تبرر ديمومتها واستمراريتها بنفسها بمنطق دائري وبشكل غير نقدي، وللضمان الفرنسية “ما بتجيب حاجة” نحن البنجيب حاجة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى