تحقيقات

(الديمقراطي) تتقصى: أين ذهبت 60 مليون دولار خُصصت لاستيراد الأدوية

شبهة فساد ضخم في سوق الدواء

تحقيق – لبنى عبدالله

كشف رئيس الجمعية السودانية لحماية المستهلك عن تجاوزات لبعض الشركات العاملة في مجال استيراد الأدوية، وذلك لاستلامها مبالغ بالدولار من محفظة السلع الاستراتيجية لاستيراد أدوية الأمراض المزمنة، ولم تستوردها. في الوقت الذي نفى فيه عضو غرفة المستوردين ذلك، وقال إنه حديث عار من الصحة، وإنه تم استيراد أدوية بمبلغ (60) مليون دولار بواسطة (64) شركة عاملة في مجال استيراد الأدوية، في المساحة التالية نستعرض هذه القضية.

تجاوزات

كشف دكتور ياسر ميرغني، رئيس الجمعية السودانية لحماية المستهلك، عن تجاوزات لبعض الشركات العاملة في مجال استيراد الأدوية، وذلك من خلال حصولها على مبالغ مالية بالدولار بغرض استيراد أدوية للأمراض المزمنة، موضحاً أنه تم تخصيص ما يعرف بمحفظة السلع الاستراتيجية لتوفير العملة الصعبة لتوفير النقد الأجنبي لاستيراد الأدوية، والتي تصنف من ضمن السلع الاستراتيجية وتوظف للأدوية الخاصة بعلاج الأمراض المزمنة، كتسهيل للشركات العاملة في مجال استيراد الدواء ودعم من الدولة.

وبين ميرغني أن بعض الشركات تحصلت على المبالغ المخصصة لاستيراد الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة ولكنها لم تستوردها، وطالب الجهات المختصة بضرورة فتح تحقيق شامل، موضحاً أنه تم إنشاء المحفظة لتوفير النقد الأجنبي بغرض استيراد وتوفير الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة عبر الشركات العاملة في مجال استيراد الأدوية، ووفقا لميرغني: “لكن ذلك لم يحدث”، وطالب بضرورة فتح تحقيق في أموال المحفظة، وقال إن هنالك كثيراً من الفوضى حدثت في مجال استيراد الأدوية منذ اندلاع الثورة في أبريل من العام 2019 وحتى تاريخه.

أضاف: “نطالب بتحقيق شامل في كل المبالغ المخصصة للأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة عبر المحفظة”. وزاد: “تلك المبالغ التي تحصلت عليها بعض الشركات لا نعلم لها فواتير ولا نعلم أين ذهبت ولم نجد لها أدوية في سوق الدواء”. يواصل ميرغني: “بعض أصحاب الشركات كانوا يحتفظون ببعض الأدوية المخزنة في مخازنهم، وعقب استلامهم المبالغ المخصصة للأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة من المحفظة بالعملة الصعبة أفرجوا عن الأدوية المخزنة واكتنزوا الدولارات في حساباتهم”. وقال إنه يمتلك كل المستندات التي تثبت ذلك والتي سلمها لها رئيس المحفظة عبد اللطيف عثمان محمد صالح، وتلك المستندات بأسماء الشركات والمبالغ التي استلمتها عبر المحفظة.

حماية المستهلك تتهم وغرفة المستوردين ترد

سخط

قال ياسر ميرغني إن بعض أصحاب الشركات المتورطين في استلام عملة صعبة بغرض استيراد الأدوية أبدوا سخطهم وتذمرهم من تمليكي المستندات، واحتجوا لدى رئيس المحفظة بسبب ذلك. وأضاف أن رئيس المحفظة برر لهم تلك الخطوة بقوله: “إنني أمثل الرقابة الشعبية عبر الجمعية السودانية لحماية المستهلك، وأتجه لتلك الخطوة حتى لا تكون هنالك زبيدة أخرى”.

وردد ميرغني منتقداً إعفاء رئيس المحفظة من منصبه بقوله: “فقدنا رجلاً وطنياً مؤهلاً”، واتهم الفريق جابر كبلو بتدمير القطاع الصحي، خاصة في مجال التعامل مع الدواء، مطالباً بمحاسبته لجهة أنه قام بعقد اربعة اجتماعات وصفها بغير القانونية في فترة الأشهر الأربعة قبل تعيين الوزير في الفترة الانتقالية أكرم علي التوم في فترة الحكم بواسطة المجلس العسكري، متهماً بعض الشركات التي قامت باستلام الدولار بسعر البنك بواقع (47) جنيهاً بهدف استيراد أدوية، ولم تستوردها حتى الآن.

كما اتهم ميرغني (300) شركة توزيع باحتكار الدواء ووصفها بغير المؤهلة، وقال إن بعض الشركات لا تمتلك مخازن مزودة بأجهزة تبريد ولا يوجد بها صيادلة وغير منضبطة في التعامل مع سلعة الدواء، وأضاف: “نطالب بمراجعه شاملة لكل الشركات الوسيطة العاملة في مجال توزيع الأدوية، ملف الدواء يحتاج لإرادة سياسية وحكومة تضع ملف الدواء كأولوية”.

في ذات السياق

نفى عضو غرفة المستوردين دكتور صداح الأمين أن تكون هنالك شركات استلمت دولاراً ولم توظفه لصالح استيراد الأدوية، وقال: “ما يثار عن ذلك عار من الصحة. 650 مليون دولار هي المبالغ المخصصة لاستيراد أدوية الأمراض المزمنة وغير المزمنة”، موضحاً أن كل عمليات الاستيراد تتم مراجعتها عبر بنك السودان والمحفظة والمجلس القومي للأدوية والسموم.

أضاف: “تتم المراجعة بصورة شفافة”، مؤكدا بقوله: “أي دولار تم تخصيصه عبر المحفظة لاستيراد الأدوية تم توظيفه لاستيراد الأدوية، ولا يمكن تخطي الاشتراطات الخاصة بذلك”. وذهب بقولهإلى إن ذلك يتطلب تسجيل الدواء المراد استيراده ورفع فاتورة مبدئية بالنظام الإلكتروني للمجلس وإثبات أن الدواء مصنع لاستلام خطاب عدم ممانعة، وعقب استيفاء تلك الاشتراطات يتم توجيه البنوك التجارية لإضافة المبلغ المكافئ لسعر الدولار ، وعقب استيفاء الاشتراطات تقوم المحفظة بفتح الاعتماد الخارجي للشركة المعنية بالاستيراد لصالح البنك التجاري في حسابه الخارجي لشحن الدواء، وتتم مطالبته بشحن الدواء خلال أسبوعين إلى (3) أسابيع لوصول الدواء للسودان.

ويواصل دكتور صداح بقوله إن عدد الشركات العاملة في مجال الاستيراد أكثر من (100) شركة، وعدد الشركات التي استوردت عبر المحفظة بلغ (64) شركة، موضحاً أن كل الشركات التي تقدمت للاستيراد عبر المحفظة نالت حظها من الحصول على دولار الاستيراد.

أضاف: “لضمان استمرارية الاستيراد لتوفر الدواء لابد من توفر النقد الأجنبي والتسعير العادل للأدوية، وسرعة التزام وزارة المالية بتوفير قيمة الدعم المخصص لأدوية الأمراض المزمنة”. وذكر أن حجم الحاجة لاستيراد الدواء يقدر بـ (300 – 1350) مليون دولار سنوياً، موضحاً أن الشركات المستوردة تغطي حاجة سوق الدواء بنسبة (60٪)، ويغطي الإنتاج المحلي نسبة (40٪).

وقال إن الدواء سلعة محكومة التسعير عبر المجلس القومى للأدوية والسموم، والذي يقوم بوضع تسعيرة الدواء على خطوتين عبر تسجيل سعر المنتج حتى وصوله للموانئ، وتكلفة الاستيراد يحددها المجلس بتحديد سعر الدولار، ويتم ضربه في سعر بنك السودان عقب السياسة الأخيرة المعلنة، وتوضع أرباح لأصحاب الشركات بواقع (15٪). وقال إن أزمات الدواء بدأت منذ العام 2014 بسبب شح النقد الأجنبي بسبب اتباع سياسات مختلفة ومتأرجحة ما بين آليات الدعم وتحرير سعر الصرف، موضحاً أن الاستيراد كان يتم عبر حصيلة الصادر المحددة بنسبة (10٪) بالسعر الرسمي لبنك السودان، وتم إلغاء القرار الخاص بحصائل الصادر في مايو من العام 2020، ولم يتم إصدار آلية واضحة للاستيراد، وظل الدواء حتى أغسطس من العام 2020 بدون رؤية واضحة، وكان الدواء ضمن السلع الاستراتيجية.

وأبان دكتور صداح الأمين أنه تم استيراد أول شحنة للأدوية عبر محفظة السلع الاستراتيجية في ديسمبر من العام 2020 بما يعادل (60) مليون دولار عقب الفجوة الدوائية، والتي تقدر بنسبة (70٪)، واستمرت لعام كامل. أضاف: “مع استقرار سعر الصرف في العام 2021 بدات عمليات الاستيراد، وتم تصنيف الأدوية كالآتي: أدوية للأمراض المزمنة، وهذه تدعمها الدولة وتستوردها عبر البنك. وأخرى غير مزمنة”. زاد: “عقب الاضطرابات الاقتصادية ما بعد أكتوبر من العام 2021 وانخفاض سعر الجنيه مقابل الدولار وتحديد آلية سعر الصرف الحر المعلنة من بنك السودان قبل التراجع عنها في الفترة الماضية، وعقب انهيار الجنيه مقابل الدولار، تم تعديل تسعيرة الدواء وأصبحت تساوي دولار البنوك التجارية”.

وأوضح دكتور صداح أن قيمة الدعم المقدم من الدولة للأمراض المزمنة لم يتم فيها رفع قيمة الدعم المقدر شهرياً بواقع (800) مليار (بالقديم) منذ شهر أغسطس، مما أدى إلى فجوة دوائية في الأصناف الخاصة بالأمراض، المزمنة تقدر بنسبة (60٪) من حاجة السوق لمدة استمرت حتى (8) أشهر، وكذلك توقف الدعم منذ الاضطرابات الاقتصادية في أكتوبر الماضي وحتى تاريخه، عمل على خلق فجوة امتدت ما لا يقل عن خمسة أشهر. وأضاف: “من المعلوم أن عملية الاستيراد معقدة وتتطلب أمر شراء قبل 4 أشهر من تاريخ شحن الدواء، وعملية الانقطاع في الإمداد الدوائي مكلفة للشركات، بالإضافة لخطورة انقطاع الدواء وأثره على المرضى، مما يجعل سوق الدواء مفتوحاً لعملية تهريب الأدوية ووجود دواء غير آمن”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى