الرأي

إحتكار راية الدين والأخلاق ..!

ينشط فلول الإنقاذ هذه الأيام في تزييف العديد من الصوُّر التي يعتقدون أنها تصلح لتكون مُبرِّراً لإجتهادهم المحموم في عرقلة الإنتقال الديمقراطي وإجهاض ثورة ديسمبرالمجيدة، من بين هذه المُبرِّرات التي لم تعُد مُجدية في إستمالة عامة الشعب السوداني، ما يردِّدونهُ حول خوفهم على عقيدة الشعب السودان وموروثاته وقيَّمهُ الأخلاقية، والتي بتعبيرٍ آخر يقصدون بها الخوف على الشعب السوداني من (الرِده) عن دين الإسلام، هذا إذا فرضنا جدلاً أن جُل السودانيين من المُسلمين، وهم حين يقولون ذلك يشيرون بصورةٍ أو أخرى إلى أن الرموز القيادية التي تقف على أمر إدارة عمليات تحقيق مطالب الثورة والثوار مُمثَّلين في قوى الحرية والتغيير وبقية الذين وقفوا بصلابة في وجه إنقلاب 25 أكتوبر المشئوم، جميعهم وبلا إستثناء (أعداء) للإسلام وقيَّمهُ وأخلاقياتهُ وتعاليمهُ السمحة، بما فيهم الأحزاب المُنتمية للتيار اليميني كحزب الأمة والإتحادي الأصل، هم يروِّجون لفكرة أن خصومهم من الحادبين على أن تأتي هذه الثورة أُكلها وتُحقِّق غاياتها، عبارة عن أدوات لتحقيق مخطَّط غربي يستهدف بالتحديد العقيدة والموروث الثقافي ويصوِّرونهُ للبُسطاء على أنه غزو خارجي تحمل عتادهُ التيارات السياسية التي تقف ضد عودتهم ومشاركتهم في الفترة الإنتقالية عبر وجوه وهمية تنتمي إليهم خلف ستار مٌسميات تمويهية مُتعدِّدة.
أما الحقيقة التي لا مناص منها ولا يمكن إنكارها فهي أن الغرب أو المجتمع الدولي بالفعل يقوم بما يقوم به من مجهودات في السودان لأجل مصالح ومكاسب مشروعة في عالم العلاقات الدولية، ولكن المغذى الحقيقي (لحنكة وفطنة) القيادة السودانية التي ستُمثِّل حكومة السودان في دولة المؤسسات والقانون هو قدرتها على صياغة تلك المصالح والمكاسب من منظور ينفع الطرفين ، فلا غضاضة في مصالح مشتركة وإستثمار ثنائي مفيد وعادل بين السودان والعالم الغربي ، أما موضوع الدين الإسلامي والموروثات والقيِّم والأخلاقيات النبيلة التي يعتبرها الكيزان إعتباطاً أنها (محلية) ومُحتكرة فقط للسودانيين، فذاك إدعاءٌ باطل وفيه محاولة بيِّنة لإستغباء للناس وتضليلهم، فالعدالة والأخلاق والمساواة والحُرية والنزاهة، هي (مُسلَّمات) قيِّمية وأخلاقية يعترف بها كل العالم وترعاها جميع الحكومات السوية والرشيدة، أما بالنسبة لإسلام السودانيين فهو شأن عقدي لا يمكن تقييمهُ خارج نطاق علاقة العبد بربه، ومن أراد أن يرتد فلا المُجتمع ولا الحكومة القادمة سيُسألون عن ما فعل أمام الله يوم القيامة، فقد سبق قوله تعالى فيما يتجادلون فيه بـ (لكم دينكم ولي دين) و(من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفُر)، من وجهة نظري أن أهم ما يجب أن يهتم به دُعاة الخوف على إسلام السودانيين هو إتاحة المسار الديموقراطي لكافة الفُرص التي توفِّرها قواعد الحُريات التي تُمكِّن المسلمين وغيرهم من التعبير عن مُعتقداتهم وممارسة عباداتهم ودعوة الآخرين إلى الإنخراط في ما يعتقدونه بالحكمة والموعظة وما يتيحهُ الدستور والقانون.
لو كانوا يفقهون، لما خافوا على إسلام السودانيين العريق المتوهِّط في الأفئدة منذ الأزل من حكومة إنتقالية، فقط لأنها إستفادات من دعم أجنبي مشروع و(منطقي) بالنسبة لواقع دولتنا التي هي حالياً مُجرَّد (ضيعة) يملكها ويتحكَّم فيها كيزان الظل، لو كانوا يفقهون لخافوا على قيَّم وموروثات المُجتمع من حلبة الصراع الثقافي والقيِّمي التي إنتظمت العالم بعد ثورة تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات، ومثول الإنترنت الذي جعل مسألة الغزو الثقافي والأخلاقي والقيِّمي وحتى العقائدي لا تحتاج إلى حروب ولا دبلوماسية ولا أمم متحدة، إن كانوا صادقين لدعموا المد الديموقراطي بإعتباره الوسيلة الوحيدة والآمنة التي تُتيح إمتلاك سُبل حماية وصيانة وتطوير موروثنا الثقافي والقيِّمي والأخلاقي لمصلحة عدم إندثاره وحمايته من الذوبان في الثقافات الغازية، أو حتى الذهاب إلى أبعد من ذلك عبر تسويقهُ وعرضهُ للمنافسة العالمية ونشرهُ والتأثير به على الثقافات المُغايرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى