الرأي

إحاطة فولكر لمجلس الأمن مفخخة: هل تُراه يمهّد للمجزرة القادمة؟

محمد جلال أحمد هاشم

يونيتامس: ذراع الإمبريالية: تزوير الحقائق وتزييفها

هذه الإحاطة التي قدمها فولكر بيريتس عبارة عن عملية مفخخة، تبرئ العسكر والجنجويد من جرائمهم المستمرة ضد المدنيين، أكان ذلك باستخدام العنف المفرط ضد الثوار السلميين، أو كان ذلك بقتل المدنيين وحرق قراهم وتنزيحهم قسريا في دارفور الجريحة. وتتماشى إحاطتُه مع ذات الموقف الإمبريالي الغربي الذي يعتمد الضغط على المدنيين كيما يقبلوا بالشراكة مع العسكر ومليشيا الجنجويد. وهذا يعني عدم محاسبة العسكر والجنجويد على جرائمهم، وبالذات جرائم قتل المدنيين بالجملة وحرق قراهم في دارفور، بجانب جرائم فض الاعتصامات في عام 2019م، ثم أخيرا وليس آخرا مسلسل القتل اليومي للثوار المتظاهرين سلميا فتح الذخيرة الحية (مع التنشين) في صدورهم العارية، ثم دهسهم بسيارات الشرطة والأجهزة الأمنية، جانبا عن تلفيق التهم للثوار الشباب واحتجازهم بطريقة غير قانونية، ثم ارتكاب قوات الشرطة والأمن والجنجويد لجرائم الاغتصاب ونهب الممتلكات، وإطلاق يد العصابات لتعيث فسادا بينما الشرطة تتفرج، لدرجة أن يصرّح حميدتي بأن الشرطة تعرف جيدا هذه العصابات ويمكنها لجم نشاطها إذا هي أرادت ذلك. هذه هي الجرائم التي لا يريد فولكر أن يتكلم عنها؛ ليس هذا فحسب، بل إنه يعمُد إلى تعميتها ورش غبار الأكاذيب حولها.

بجانب هذا، فإن فولكر يكذب وهو يعلم أنه يكذب وكل مجلس الأمن يعلم أنه يكذب، وكذلك يعلم شركاؤه في الاتحاد الأفريقي والإيقاد أنه يكذب بلا خجل، ذلك عندما يزعم بأن وتيرة العنف قد خفت، هذا بينما الفيديوهات والتقارير المنتشرة في السوشيال ميديا تكذب مزاعمه بطريقة لا تقبل الشك. ثم ها هو يستخدم أسلوب “اللف والدوران”، ذلك عندما يعمد إلى تغبيش الحقائق فيما يتعلق بحماية المدنيين في دارفور. فهو يقول”… تتطلب حماية المدنيين معالجة الأسباب الجذرية للصراع بما في ذلك قضايا التهميش التي دامت عقودا طويلة…”. فهذه كلمة حق يراد بها باطل. فحماية المدنيين في دارفور، فيما يعلمه حتى الأطفال، تتمثل، أولا، في تفكيك مليشيات الدعم السريع ذات الأساس الإثني والتي قوامُها مجموعات غير سودانية، أي، باستخدام ألفاظ سلطان مساليت، “عابرة للحدود” فيما يسمونهم في دارفور بالمستوطنين الجدد. ثانيا، بإحالة قادة هذه المليشيات إلى محكمة الجنايات الدولية؛ ثم ثالثا بتهيئة الجو لعودة النازحين واللاجئين إلى قراهم الأصلية، ذلك بإفراغها من المستوطنين الجدد العابرين للحدود؛ ورابعة، بأن تقوم قوات الجيش والشرطة والأمن بواجبها الوطني في حماية هؤلاء اللاجئين والنازحين بعد عودتهم لقراهم الأصلية. وكل هذا طبعا في يد الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أنهما لا يمكن أن يفعلا ذلك لحماية المدنيين، بل تنفيذا لمصالح الإمبريالية الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا الغربية) والشرقية (روسيا والصين). وهذا يكشف لأهلنا الصامدين في دارفور أن ما يسمى بالمجتمع الدولي لم يكن أبدا، ولن يكون، في صالحهم، بل هو يستخدم قضاياهم ككرت ضغط على الحكام حتى يسيطر عليهم، ثم بعد ذلك يسمح لهم أن يستمروا في غيِّهم القديم. وهذا ما فعلوه بالبشير ثم لما انكسرت شوكته وأصبح رهن إشارته، عملوا على استمرار حكمه تحت شعار الهبوط الناعم. ومن أعجب العجائب أنه يذكر وبكل جرأة أن يونيتامس تعمل على تدريب قوات الشرطة في مجالات حماية المدنيين والالتزام بمعايير حقوق الإنسان. فالكل يعلم أن يونيتامس تعمل بموجب صلاحيات الفصل السادس، وهي صلاحيات ليس من بينها استخدام القوة. فإذا كانت بعثة الأمم المتحدة لدارفور (يوناميد) التي كانت تعمل وفق صلاحيات الفصل السابع الذي يُجيز استخدام القوة العسكرية، لم تفشل فحسب في حماية المدنيين بدارفور، بل تورطت في التواطؤ مع الجنجويد ونظام الإنقاذ في قتل أهلنا بدارفور، فكيف يمكن لبعثة تعمل بموجب الفصل السادس أن تنجح فيما فشلت فيه البعثة الأممية المسنودة بالقوة العسكرية. ولإلحاق الأذى بالإساءة، قامت الأمم المتحدة بسحب بعثة يوناميد الفاشلة والفاشلة، هذا بينما لا يزال تقتيل المدنيين مستمرا كجزء من روتينات البرنامج اليومي في دارفور. ففي الأصل لم تكن الأمم المتحدة تنوي وقف الاعتداءات وتقتيل المدنيين في دارفور عندما شكلت بعثة اليوناميد، بل كان الغرض من ذلك التغطية على جرائم أمريكا وبريطانيا في أفغانستان والعراق، تلك الجرائم التي انبنت على أكوام من الأكاذيب الحكومية الرسمية. فبينما كان العالم كله يعلم أنها مجرد أكاذيب، كانت الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة التي تظاهرت بأنها غير مدركة لتلك الحقيقة. فالحملة العالمية للتنديد بجرائم الحرب والإبادة في دارفور كانت تستند على معلومات حقيقية، بينما لم تكن الحملة تتعامل معها إلا بوصفها مناسبة مواتية لصرف الأنظار عن جرائم أمريكا وبريطانيا في أفغانستان والعراق. وبمجرد ما تم تناسى جرائم هاتين الدولتين المجرمتين، حتى تناسى الجميع (بما فيهم الأمم المتحدة) مأساة دارفور التى لا تزال تنزف وتنزف ويُقتَّل أهلُها الصامدون، وبمساعدة الدولة، هذا بينما الأمم المتحدة لا تتفرج فحسب، بل هي تأمر بسحب قواتها من دارفور وهي تعلم علم اليقين بأن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة لا تزال مستمرة حتى الآن في دارفور. فهل كل هذا غايب عن فولكر؟ بالطبع لا! لكنه الدور المرسوم له من قبل قوى الإمبريالية العالمية غربيِّها وشرقيِّها.

وتبلغ الجرأة بفولكر حدا غير مقبول عندما يخلع عنه عذار الحذر والدبلوماسية ويقول: “وهناك أيضاً اعتراف متزايد بالحاجة إلى حوار مدني- عسكري، بشأن مخرج من الأزمة وهناك مزيد من النقاش العام حول هذه المسألة”. فالجميع يعلم أن ما يزعمُه هنا ليس سوى محض أكاذيب. فهو هنا يرسل القولَ على عواهنه دون أن يكلّف نفسه مشقة الإتيان بأي أدلة أو بينات. ليس هذا فحسب، بل هو يناقض نفسه في تقريره عندما يقر ويعترف بأن الاتفاق السياسي غائب، وكذلك عندما يعترف في تقريره بأن هناك جمودا سياسيا. فكيف يجوز له، بعد كل هذا، أن يزعم بأن هناك اعترافا متزايدا بالحاجة إلى حوار مدني – عسكري، في ظل غياب أي اتفاق سياسي، وفي ظل جمود العملية السياسية؟

هل فولكر يمهّد الطريق للمذبحة القادمة؟

إلا أن أخطر ما في كلامه نجده يتحدث عن جهات، لا يسمّيها، برغم أنه يصفها بأنها مفسدة لا يريدون الديموقراطية، كما لا يريدون الديموقراطي. فهو يقول بالنص:

“لكن دعوني أكون واضحاً: هناك أيضاً مفسدون لا يريدون الانتقال إلى الديمقراطية أو يرفضون الحل من خلال الحوار. على الأطراف السودانية ألا تسمح لمثل هؤلاء المفسدين بتقويض فرصة إيجاد مخرج تفاوضي للأزمة وبالتالي السماح بتعيين حكومة متفق عليها مع برنامج عمل لما تبقى من الفترة الانتقالية”. هذا هو أخطر ما في إحاطته! وبما أنه لم يتجرأ (أو لم يُرِدْ متعمّدا’ أن يسمّي هذه الجهات)، عندها لا يبقى أمامنا إلا أن نتّهمَه هو شخصياً، ثم كل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن (دون أن نكلّف أنفسَنا مشقة أن نذكر الاتحاد الأفريقي والإيقاد، كونهما مجرد جسمين تابعين poodling bodies) أنهما بذلك يعطيان الضوء الأخضر لأجهزة القمع الرسمية، ثم لمليشيات الجنجويد ومليشيات الكيزان العائدة بقوة إلى المشهد السياسي بارتكاب أفظع جريمة يمكن تصورها ضد لجان المقاومة وكل القوى الثورية التي تقف مع لجان المقاومة في خندق واحد. وكنا في مقالات سابقة قد شرحنا سيناريوهات هذه المذبحة التي تبدأ، أولا، بتصعيد حملة منظمة ضد الحزب الشيوعي لمواقفه الوطنية، ذلك بتصويره على أنه مجرد حركة إلحادية، كافرة، ينبغي استئصال شأفتها تكريسا للهوية الإسلامية للسودانيين. ثانيا، بإطلاق صفة “الشيوعي الكافر الملحد” على جميع الأشخاص والتنظيمات والمنظمات التي تقف مع لجان المقاومة في خندق واحد. ثالثا، بتصوير لجان المقاومة بأنها صنيعة من صنائع الحزب الشيوعي. هذه المذبحة، كما ذكرنا في تلك المقالات، سوف تستند على ضوء أخضر من قوى الإمبريالية، يأتي تلميحا، لا تصريحا (بالضبط مثلما يفعل فولكر هنا). ثم يبقى على القوى الإنقلابية بعسكرها وجنجويدها وحركاتها المسلحة، بالإضافة إلى الكيزان العائدين بمليشياتهم (500 ألف مقاتل مدرب، باستخدام كلمات الكوز أمين حسن عمر)، أن تبتلع الطعم، طعم الضوء الأخضر، وبعد ذلك سوف تقلب لهم قوى الإمبريالية العالمية ظهر المِجَن لكل هذه القوى لتملأ العالم صراخا وضجيجا، تنديدا بهذه المذبحة التي ارتُكبت بدم باااااارد. ثم تبدأ الإحالة إلى محكمة الجنايات الدولية والعقوبات، بغية تغيير هذا النظام الدموي، وهوما سيحدث. لكن لماذا؟ أولا، لتنظيف البلاد من أي تيارات أو تنظيمات ثورية تقف ضد الإمبريالية العالمية وضد الاستعمار الجديد؛ ثانيا، بإحلال قوى الهبوط الناعم في محل القوى الإنقلابية والجنجويدية بحركاتها المسلحة، بجانب الكيزان العائدين. وبالطبع مما لا يعلمه الكيزان الأغبياء أن القوى الإنقلابية والجنجويدية والحركات المسلحة سوف تقوم بتحميلهم تبعة هذه المذابح، متبرئين منهم، هذا بحيث ينتهي الأمر بتصفيتهم هم (أي الكيزان) حتى تُستأصل شأفتُهم تماما، دون أن يجدوا من يبكي عليهم، إذ لا يحيق المكرُ السيء إلا بأهله. وقد رأينا رأي العين كيف ابتلع صدام حسين بكل غباء أيديولوجي هذا الطُّعْم عندما صدق تطمينات أمريكا بأنها لن تتدخل في حال نشوب صراع بينه وبين الكويت. وقد انتهى به الأمر أن أخرجوه من جُحره كما يخرجون الفأر ليتم إعدامُه صبيحة العيد. هذا بالضبط ما يرمي إليه فولكر، بوصفه ممثلا للأمم المتحدة، وهذه بوصفها ذراع الإمبريالية العالمية، ذلك عندما يتكلم أن هناك جهات مفسدة، لا تؤمن بالحلول التي تأتي عبر الحوار … إلى آخر كلامه.

بالطبع، سوف تؤول مهمة فولكر إلى فشل ذريع مهما تظاهر بأن هناك أملا لمخططه الإمبريالي. إلا أننا، وفي هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا ونحن نقف أمام تحدي أن نكون أو لا نكون، هو تسمية الأشياء بمسمياتها وبدون (رتوش). ان الإحاطة التي قدمها فولكر للأمم المتحدة هي بمثابة (بصقة) في وجه الشعب السوداني. والأمر كهذا، علينا أن نرسم خطوطنا الحمراء التي لا يجب تجاوزها إلا ووقع المرء في خانة الخيانة الوطنية. ان الخط الأحمر هو أن الذين يقبلون ببعثة الأمم المتحدة (يونيتامس) هم ليسوا سوى خونة للوطن، لا يستحقون أن ينالوا شرف الانتماء إلى هذا الشعب العظيم، ولا لهذا البلد العظيم. هذا هو الخط الأحمر!

وبعد، الخطوة القادمة هي تقوية لجان المقاومة بدعم موقفها المتمثل في اللاءات الثلاثة، ثم تصعيد حملة ضد بعثة الأمم المتحدة بوصفها ذراعا للاستعمار الجديد. وبعدها العمل على تصعيد وتيرة الثورة إلى أن تسقط ثاني وثالث ورابع، ومدنيااااااااااااااااو، والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل!

المجد والخلود للسودان وللشعب السوداني ولشهداء الثورة السودانية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى