الرأي

ألغاز شُرطية..!

سيظل بيان الشُرطة العجيب الغريب المُبهم في شكله ومضمونه، حديث القاصي والداني لأمدٍ بعيد، ولا يظُن الذين قاموا بصياغته وبثهِ لجمهور الرأي العام بأنه سيمُر كزوبعةٍ في فنجان، فالأمر هذه المره جلل وفيه من التخمينات ما يمُس سُمعة الشرطة كمؤسسة مدنية ظلت منذ الإستقلال وإلى حين حدوث إنقلاب 89 المشئوم مثالاً للحزم والوقار والمهنية، فضلاً عن أن الرأي العام حينها كان يضعها خارج دائرة الإتهام والذلل في ثقةٍ لا تقبل المُراهنة، فالبيان الذي أصدرهُ المكتب الإعلامي للشرطة أول أمس كان عبارة عن هالة ضبابية من المفردات المُعتمة وساحة مُظلمة للوقائع المُراد إيضاحها بالقدر الذي أفسح المجال لكل مُتلقي، سواء من عامة الناس أو المهتمين أو الإعلاميين للتخبُّط في دوامةٍ من التوهان الذي يُبيح وبلا ملام الخوض في مجاهل الإستنتاجات والتخمينات، بل وقد يصل الأمر إلى نسج الأكاذيب وتكذيب الحقائق، فالبيان العجيب أفسح المجال لكل صاحب نفسٍ مريضة أن يصطاد في الماء العكر ليتكسَّب أو ينتقم، ولا مجال بعد صدورهِ لتلافي المشكلات التي أوقع فيها الشرطة وكذلك الرأي العام، لأنهُ وبكل بساطة قد أغرق قيادات الشرطة إبتداءاً من وزير الداخلية وحتى أصغر رُتبة في الشرطة في دائرة الشك وعدم المصداقية والتجاوزات القانونية والعُرفية والأخلاقية التي لا يقوم ويستند عليها فقط العمل الشرطي، بل تستند وتقوم عليها كل المؤسسات والهيئات التي يديرها قادتها بما يُرضي الله والوطن وهذا الشعب المغلوب على أمره.
بيان الشرطة الصادر أول أمس والمُستهدف مُعالجة مشكلة مُبهمة، تتبَّدى وكأنها محاولة لمُعالجة صراع داخل الجهاز الشُرطي عبر التهديد والوعظ والإستجداء، سيصبح للأسف سابقة تاريخية تمثِّل مرجعية للذين سيدرسون وقائع العمل الشرطي في تاريخنا المعاصر، فالبيان يرفع شعار المرحلة الشرطية الإنقاذية المبني على إنعدام المهنية والإنحياز اللا مشروط للمصالح الشخصية، وإتساع دائرة (الشُلليات) السياسية والقبلية والمصلحية داخل ساحة الشرطة بالقدر الذي أخرج رائحة صراعاتها النتنة من مستنقع مُشاحناتها الداخلية، وعبر البيانات الرسمية الركيكة في شكلها ومحتواها لتُضاف عجزاً وفشلاً ويأساً على كاهل المواطن السوداني الذي طالما خذلتهُ قياداته ومؤسساته الوطنية بما ساد فيها من ثقافات هدَّامة ومُمارسات لا أخلاقية طيلة ثلاثون عاماً من حكم الإنقاذ البائدة.
يقول البعض ولا ألومهم فركاكة شكل البيان وضبابية مضمونه، تُبيح للجميع بلا قيد أن يخمِّنوا أو يستنتجوا أو حتى (ينسجوا) من الخيال ما يُلبي مطلوبات فضولهم ورغبتهم في فهم ما يدور داخل دهاليز الشرطة، أنهُ أي البيان هو ردة فعل لمقال إسفيري رائج قام الناطق الرسمي السابق للشرطة الذي أقيل لخلافات بينهُ وبين قائد الشرطة بنشرهِ عبر وسائط التواصل الإجتماعي، وقد أسهب المقال المذكور في بيان الكثير من التجاوزات والمُخالفات والمفاسد المهنية على المستويين الإداري والتخطيطي التي وقع فيها القائد العام للشرطة، وتضمنَّت تلك المُخالفات الكثير من التفاصيل بعضها مُتعلِّق بإنعدام النزاهة والعدالة والحيادية التي تتطَّلبها المصلحة العامة في عمليات الإقالة والإحالة للتقاعُد، وبالتالي ما يُقابلها من ترقيات وتعيينات في مواقع يعتبرها منسوبي الشرطة (إستراتيجية) كالبعثات الدبلوماسية الخارجية، هذا فضلاً عن تخطي اللوائح والإجراءات الخاصة بإنتساب أولي القُربى والمعارف إلى فرعيات الشرطة المختلفة، لكن عموماً وبغض النظر عن تفاصيل ما أفسحهُ البيان من مجالات لإتهام قيادات الشرطة، سيظل القائد العام للشرطة ومن حوله من القادة الضباط مسئولون عبر بابٍ آخر عن كل الأرواح الطاهرة التي أُزهقت برصاص الشرطة قبل وبعد إنقلاب 25 اكتوبر المشئوم، وعن كل الجرحى والمصابين الذي أصابتهم (السواطير) وعبوات الغاز المُسيل للدموع فأقعدت بعضهم للأبد عبر الإصابات الجسيمة، الشرطة السودانية بهذا البيان المخجل أثبتت بياناً بالعمل ومن داخل دهاليزها المُظلمة أنها الأكثر حاجةً لإعادة الهيكلة والتأهيل والضبط المهني والأخلاقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى