الرأي

أتفق مع البرهان في الدمج.. ولكن! (1)

لبنى أحمد حسين
تخبّط قائد الانقلاب منذ انقلابه يمنة ويسرة، وأخيراً وجد الحل في هتاف حبيبنا أدروب بلكنته البجاوية المحببة: “العسكر للثكناااااات والجنجاويد ينحل”. قال البرهان ما ملخصه: “حسناً، ليذهب العسكر إلى الثكنات، ولكن لنضع الأسس لدمج الدعم السريع والحركات في الجيش.. هل من معترض؟”.
وجدت نفسي -للأسف- والبرهان في مركب واحد فيما يختص بدمج قوات الدعم السريع والحركات في القوات المسلحة، ولست ممن (يكسر الثلج) أو ينفخ الأبواق. فما قاله البرهان، منتصف فبراير الجاري، كتبته في الأسبوع الثاني من ديسمبر المنصرم. وقبلي، صدحت به حناجر الكنداكات والثوار. إذن، أنا أدافع عن رأي جاهرت به سابقاً، ولا أتبنى أو أدافع عن موقف أحد.
سأغض الطرف عن تبرئة البرهان للجيش، وهو يخاطبه في مناسبة اجتماعية بمنطقة الزاكياب في ولاية نهر النيل. ونفيه وجود إخوان وكيزان بالجيش، سيطول المقال. سأدلف إلى نقل حديثه عن الدمج، مصحوباً بأول رد فعل من الحرية والتغيير المركزي، ثم أعلق.
قال البرهان: “فيهو بند مهم جداً، نحن كعسكريين بيهمنا، اللي هو دمج الدعم السريع والحركات المسلحة في القوات المسلحة، ودا الفيصل بينا وبين الحل الماشي دا. إذا في كلام واضح ومنصف ومقنع عن دمج الدعم السريع والحركات المسلحة في القوات المسلحة، نحن قطع شك حنكون ماشين”.
في أول رد فعل لقوى الحرية والتغيير على هذه التصريحات، قال عضو في مجلسها المركزي، إنها مناورة سياسية القصد منها عرقلة تطور الاتفاق الإطاري. لا ينازعني أدنى شك أنها فعلاً مناورة من البرهان ولعبة، لكنها لعبة حلوة. وأما عرقلة البرهان تسليم السلطة للمدنيين، فما الجديد؟
إذا اتفقنا أن قائد الانقلاب يناور، فلتفصح لنا قوى الحرية والتغيير عن الحقيقة الجادة، وأين برامج الإصلاح الأمني والعسكري؟ بند الدمج وارد في الإطاري الدقيقة (١٥:١٣) في تلاوة الأستاذ لقمان:
https://www.youtube.com/watch?v=-6drw7N_gVQ&t=4s
“ضمن خطة الإصلاح الأمني والعسكري، والذي يقود إلى جيش مهني قومي واحد، يتم دمج الدعم السريع في القوات المسلحة، وفق الجداول الزمنية المتفق عليها”، لابد أن هذا النص وجد ليطبق، وليس فقط للاستهلاك الاعلامي، وإقناع الرأي العام بجدوى الإطاري.
سألت في مقال سابق عن هذه الجداول التي ترشدنا (لام التعريف) فيها حسب قواعد اللغة العربية، بأنها جداول معلومة وموجودة. وماذا عن برنامج الإصلاح؟ من سيفتي ويساهم في وضع هذه البرامج ومتى؟ يشير نص في الإطاري بوضوح إلى أن الفترة الانتقالية مرحلة تنفيذ، وأما برامج الإصلاح كنصوص، فإن مكانها متن الدستور الانتقالي.

الانقلابي ونائبه

في صفحة الأجهزة النظامية، وفي الدقيقة (١٤:٥٠) في تلاوة لقمان: “يتم تنفيذ مهام القوات المسلحة وبرنامج الإصلاح المتفق عليها في الدستور الانتقالي، بواسطة قيادة القوات المسلحة”. صحيح ليس في الإطاري مصفوفة لتحديد المهام ومواقيتها، ولكن لنا عقول تدلنا إلى أن ربط القواعد للبناء يكون قبل صب الأعمدة. وأن ما قبل الفترة الانتقالية هي فترة الاتفاق ووضع نصوص الدستور الانتقالي، وأن الفترة الانتقالية لوضع التفاصيل والتنفيذ، وهذا بداهة. لكن ماذا حدث؟
سبقت (ق.ح.ت) البرهان وقالت لنا إن تشكيل الحكومة الانتقالية أولاً، ثم التنظير في الإصلاح الأمني والعسكري ثانياً. في خبر نشر في الخامس والعشرين من يناير الماضي: “أكدت قوى الحرية والتغيير تأجيل استكمال قضايا العدالة والإصلاح الأمني والعسكري إلى ما بعد تشكيل الحكومة الانتقالية. وقال الريح الصادق، عضو المكتب التنفيذي للحرية والتغيير، إن القوى الموقعة على الاتفاق ستضع الموجهات لعقد الورش، على أن يتم الشروع في وضع التصور النهائي ومقابلة أصحاب المصلحة، بعد تشكيل الحكومة”.
والخميس الماضي، اختار البرهان مناسبة عرس جماعي- ظننته طهوراً وأنا أرى العرسان- لطرح قضية الإصلاح الأمني والعسكري في الهواء الطلق. وهي إحدى القضايا الخمس التي علقها الاتفاق الإطاري لمزيد من النقاش والتفاصيل والتطوير، بمشاركة جماهيرية واسعة.
تم ترحيل قضية الإصلاح الأمني والعسكري إلى ما بعد تشكيل الحكومة، رغم أن الإطاري وصف هذا الإصلاح بأنه من أمهات القضايا. فما الحاجة لترحيل أم القضايا إلى ما بعد تشكيل الحكومة؟ ثم هل تم الاتفاق بطريقة ديمقراطية على هذا الترحيل والتأجيل بين موقعي الإطاري وفيهم قادة وضباط سابقون؟ أم أنه قرار (ق.ح.ت) منفردة؟ معرفة الطريقة التي تم بها اتخاذ هذا القرار مهمة لمعرفة من الذي (يخرخر)، فإذا كان قرار الترحيل قد تم بموافقة موقعي الإطاري، فقد صدقت (ق.ح.ت)، والبرهان من الكاذبين. وإن كانت قد اتخذته منفردة فإن من يخرخر، للأسف، هذه المرة هي (ق.ح.ت).
إضافة إلى دمج القوات، تكمن أهمية ورش الإصلاح الأمني والعسكري، في أنها -حسب فهمي- هي ما تحدد المهام والصلاحيات لـ (مجلس الأمن والدفاع) المفترض، أم تريدون للمجلس تركيب مكنة (المجلس العسكري)؟
لا أطلب من البرهان أن يقوم بانقلاب ضد قوات حميدتي كما انقلب على السلطة المدنية، ولكن أطالب بإرجاع (المادة 5) إلى قانون قوات الدعم السريع.
في الثلاثين من يوليو، وقبل أيام من توقيع الوثيقة الدستورية، ألغى الفريق أول البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي حينها (المادة 5) في قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017، الخاصة بخضوع قوات حميدتي لأحكام قانون القوات المسلحة.
ا سبق كان بمنطق المنطق.. أما بمنطق البرهان الذي ظل يردد أكثر من مرة “أن ما للعسكر للعسكر، أقول: ليسرِّح البرهان الدعم السريع أو يدمجه في القوات المسلحة، وليتغدى بجيش جبريل، ويتعشى بجيش مناوي، ويفطر بجيش عقار. فما دخلنا نحن؟ ولماذا يبدي للجماهير في صيوان عرس عدم خوفهم من محاولات تخويف الجيش، ونحن ملكية ساكت؟ لماذا لا يقول هذا الكلام لعبد الرحيم دقلو مثلاً؟ ويبعده -لا أقول من قوات أخيه- ولكن من مجالس إدارات شركات الجيش التي منح البرهان ثلثها للدعم السريع، كما نشرت تقارير صحفية.
بأذن الله أواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى